سياسة

رسائل قصر قرطاج إلى السودانيين

محمد المكي أحمد

الإطلالة التلفزيونية المتواصلة، هذه الأيام، للرئيس التونسي، المنتخب، قيس سعيد من قصر قرطاج، أرسلت رسائل ساخنة إلى الأحزاب التونسية، وخصوصا حزب ( النهضة) الذي يتصدر المشهد، كما  اجتازت  الرسائل الحدود إلى المنطقة والعالم، ويأتي السودانيون في المقدمة، لأننا في مرحلة انتقالية. قيس، بتجميده برلمانا منتخبا، وانتزاعه الحصانة عن النواب ، وأطاحته  رئيس الحكومة، فاجأ  التونسيين والعالم، ما دفع الأمم المتحدة، ومنظمات محلية ودولية، إلى التشديد على احترام المؤسسات والحريات، ودخلت واشنطن بقوة على الخط ، ودعت إلى ( عودة سريعة إلى المسار الديمقراطي) ، وأعلن وزير الخارجية أنتوني بلينكن – وهو صحافي  قديم قبل أن يكون وزيرا – تضامنه مع صحافيي تونس والعالم . لكن رغم البيانات، يؤكد الواقع أن الساحة التونسية تشهد تناقضات حادة بشأن تقويم (التدابيرالإستثائية) . وإذا كان حزب (النهضة) وصف (تدابير) قيس بأنها (انقلاب) ، فقد دانتها قوى سياسية مهمة، لكن هناك رؤى أخرى حزبية ومستقلة ترى فيها خطوة (تصحيحية). أهم ورقة في يد قيس تكمن في ملف مكافحة (الفاسدين) و( اللصوص)، هذا يشكل أكبر التحديات أمام برلمانيين، وكان قال إن 460 تاجرا نهبوا نحو4,8 مليار دولار من أموال الشعب، وعليهم إرجاعها، وعرض ما سماه ( صُلحا جزائيا) من دون تنكيل. أعتقد بأن الدور الحيوي أظهرته قوى مهنية فاعلة، في صدارتها (الإتحاد العام التونسي للشغل) الذي دعا الرئيس إلى (خارطة طريق) للعودة إلى المسار الديمقراطي، وأبدى استعداده لتقديم تصورات، وأرى أن موقفه متوازن، ويختبر صدقية الأطراف كافة.

لُوحظ وجود ترحيب بـ (التدابير الاستثنائية) في أوساط مطحونين بغلاء المعيشة وهموم البطالة، فرأوا في إجراءات الرئيس متنفسا، وقلبا للطاولة على رؤوس الجميع. هذا معناه أنه لا توجد خطوط حمراء لدى ضحايا المعاناة وحتى رواد الحرية، إذا انتشر الفساد، و اشتدت قسوة الضغوط المعيشية، فالمواطن يريد لقمة العيش، والكساء والدواء، والحرية. من يتأمل يجد أوجُه شبه بين الحالتين، الثوريتين، المحتقنتين، التونسية والسودانية. من أوجه الشبه أن التونسيين 2011 ، والسودانيين 2018، أذهلوا العالم بثورتين شعبيتين، كان الشباب من الجنسين في طليعة حراكها، لكن معاناتهم الاقتصادية استمرت ، فتصاعدت معدلات الغضب. في تونس استشرى فساد سياسي و إداري ومالي وفقا لتأكيدات سياسيين ومواطنين، وارتفعت معدلات البطالة وسط  شباب لم يجد رعاية مستحقة، بسبب سوء الأداء الحزبي والحكومي، وهكذا الحال في السودان. في تونس كما في السودان، احتقان اجتماعي خطير، من أهم أسبابه عدم إعطاء أولوية للعدالة الانتقالية، وأدى ذلك إلى غضب في الشارع، وسخط على رموز الحكم الجديد. الصراع بشأن المؤسسات يؤدي إلى انقسام واضح في الشارع التونسي. تابعت إذاعة (اف ام ) تونسية عبر الإنترنت، وكانت سألت قياديا تونسيا : هل تجميد البرلمان عمل انقلابي؟

أهم الردود أشارت إلى أن (الشعب التونسي ضد الانقلاب) و (كلنا قيس سعيد) و (لا لحزب النهضة ) و(المحاسبة والسجن للفاسدين) و (يجب إزاحة البرلمان الحالي) و(أنا الرئيس والحكومة والبرلمان والدستور وقاضي القضاة) و(لا علاقة لرئيس الجمهورية بالنيابة العامة) إضافة إلى آخرين عبروا عن سعادتهم (برشا) و(برشا) بالعامية التونسية تعني (كثير، كثير)، ومعلوم لدى متابعي الغناء التونسي أن أغنية صابر الرباعي تقول بعض كلماتها ( برشا برشا / يامدلل برشا برشا). من أوجه الشبه، في تونس خلافات بشأن تفسير نص دستوري أو ما وُصف بـ ( انقلاب دستوري) وفي السودان جرت انتهاكات للوثيقة الدستورية، وتجاهل لبعض نصوصها.

المادة 80 التي انطلقت منها (تدابير) قيس (الاستثنائية)  تقول ( لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها  تلك الحالة الاستثنائية ، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية ، ويعلن عن التدابير في بيان إلى الشعب).

في السودان، على سبيل المثال، تشدد  وثيقة دستورية في بندها الثالث عشر على (انتهاج سياسية خارجية متوازنة، تحقق المصالح الوطنية العليا للدولة، وتعمل على تحسين علاقات السودان الخارجية، وبنائها على أسس الاستقلالية والمصالح المشتركة، بما يحفظ سيادة البلاد، وأمنها وحدودها) ، وهناك في الخرطوم  من يفسر (المصالح العليا للدولة) وفقا لـتأويله أو مزاجه، فتتحرك السلطات في اتجاهات متناقضة.

الوثيقة الدستورية السودانية  التي صدرت في 2019 العام  وعُدلت  في  2020 ، حددت  اختصاصات مجلس السيادة ومجلس الوزراء، ونصت في  الفصل الثاني عشر على أن يشكل رئيس الحكومة الانتقالية  مفوضيات ، لكنه لم يُشكل عددا منها، وبينها مفوضيات (صناعة الدستور والمؤتمر الدستوري) و( مفوضية الانتخابات) و(مفوضية مكافحة الفساد  واسترداد الأموال المنهوبة) و(مفوضية المرأة والمساواة النوعية). فهل هناك فرق في النتيجة، بين عدم احترام بعض الاختصاصات الدستورية وانتهاكها في مجلس السيادة، وبين التنازل طوعا أو كرها عن بعض اختصاصات رئيس الحكومة، وعدم تنفيذ مهمات واردة في الوثيقة كتكوين مفوضيات مهمة.

الصراع السياسي المحموم ، يشكل قاسما مشتركا بين تونس والسودان، ففي تونس شُوهد الصراخ و الجلبة واللغط المدهش في البرلمان، وانصراف برلمانيين عن التركيز على أولويات الشعب، ومكافحة الفساد كما تقول مصادر تونسية، وهاهو رئيس البرلمان المنتخب وهو رئيس حزب (النهضة) راشد الغنوشي أقرّ بأن حزبه مسؤول عن جزء من أخطاء ارتكبت، وأن هناك من يريد تحميل حزبه كل مسؤوليات الإخفاق.

في السودان صراع كسر عظم بين قوى سياسية ومهنية ساهمت في انتصار الثورة ، لكنها فشلت في التوافق على إصلاح كيانها الذي كان جامعا (قوى الحرية والتغيير) كما أخفقت في التوافق على برنامج مرحلة شديدة التعقيد، وجرى إهمال الإصلاح الحزبي والمهني، الذي يؤدي إلى تشكيل مؤسسات سياسية ومهنية عصرية تواكب العصر و مستوى وعي الجيل الجديد.

رغم خطورة الأزمة الراهنة في تونس، هناك إيجابيات، نحتاج في السودان تأملها.

نجح التونسيون بوضع دستور بعد ثلاث سنوات من عمر الثورة الشعبية، وجرى انتخاب (مجلس تأسيسي) في مارس 2011 لكتابة دستور جديد، صدر في يناير 2014، ولا أحد يدري متى تتم كتابة الدستور في السودان، ولم نسمع عن ترتيبات لعقد المؤتمر الدستوري في نهاية الفترة الانتقالية، والمؤكد أن عنصر الزمن سيداهم من يجلس القُرفُصاء.

من إيجابيات المناخ التونسي، عدم وجود (جيوش) خارج المنظومة العسكرية والأمنية الرسمية، ما يستوجب إصلاح المنظومة العسكرية والأمنية في السودان، ودمج قوات ( حركات الكفاح المسلح) بتنفيذ ملف الترتيبات الأمنية، كي تُبنى مؤسسة عسكرية عصرية قوية وفاعلة، تدافع عن الوطن والشعب وخياره الديمقراطي، وخصوصا أن التاريخ السوداني سجل لعسكريين وقفتهم التاريخية، دعما لإنجاح ثورات الشعب السلمية في 1964 و1985 و2018.

الدستور التونسي زاخر بفصول مهمة، إذ شدد على (دعم الشباب ليتحمل المسؤولية)، و أكد التزام الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة، والتناصف بين الرجل والمرأة في المجالس المنتخبة، واتخاذ تدابير كفيلة بالقضاء على العنف ضد المرأة.

أشار إلى مسألة  تَحظى باهتمام سوداني ، وهو الماء، فأكد أن ( الحق في الماء مصون والمحافظة على الماء وترشيد استغلاله واجب على الدولة والمجتمع) ولم يشر التونسيون إلى الكهرباء في دستورهم، ويبدو أنهم لا يعانون من هذه المشكلة كالسودانيين الذين يحتاجون إلى نص دستوري يلزم الحكومة بتوفير الكهرباء، خصوصا أن المواطن يدفع قيمتها مُسبقا، ورغم ذلك تغيب يوميا لساعات عدة، ويفرح الناس بعودتها الميمونة.

الدستور التونسي نص في المادتين 17 و18 على أن(تحتكر الدولة إنشاء القوات المسلحة، وقوات الأمن الوطني) وأن (الجيش الوطني جيش جمهوري وهو قوة عسكرية مسلحة قائمة على الانضباط، مؤلفة ومنظمة هيكليا طبق القانون، ويضطلع بواجب الدفاع عن الوطن واستقلاله ووحدة ترابه، وهو ملزم بالحياد التام، ويدعم الجيش الوطني السلطات المدنية وفق ما يضبطه القانون).

والأمن ( مكلف بحفظ الأمن والنظام العام وحماية الأفراد والمؤسسات والممتلكات وانفاذ القانون في كنف احترام الحريات ، وفي إطار الحياد التام).

كل هذا يتيح فرصة للسودانيين لاستخلاص الدروس والعبر من أزمة تونس ودستورها، ومن اخفاقاتنا الدستورية.

خلاصة الرأي أن  استقرار تونس ومستقبلها الزاهر رهن بعودة البرلمان  واحترام التعددية، وأن لا خيار أفضل للتونسيين والسودانيين من  بناء دولة المؤسسات التي تصون الحريات وتوفر العيش الكريم.

برقية:

تذكرت زيارتي إلى  توزر، مسقط رأس  الشاعر التونسي الكبير أبي القاسم الشابي، الذي قال:

إذا الشعب يوما أراد الحياة / فلابد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلي / ولا بد للقيد أن ينكسر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق