خارج الحدود

كلام تحت الطاولة فيما العراق ساحة لتصفية الحسابات

فاروق يوسف

في نيسان (أبريل) 2003 ومن على سطح بارجة حربية أميركية أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش الابن أن المهمة في العراق انتهت.

 إن قيل لبوش إنه كان يكذب سيضحك بالتأكيد. فليس مهماً بالنسبة اليه أن يكون صادقاً. ما يهمه أن خزيناً هائلاً من السلاح قد تم استعماله في العراق وأنه وهب الشخصية الأميركية زخم بطولة جديداً من خلال الانتصار الزائف لقيم الديموقراطية ضد قوى الاستبداد كما أنه انتصر للمصالح الأميركية في المنطقة التي كان صدام حسين بعد شيطنته يهددها ويشكل خطراً عليها. 

 لم تكن شبهة الكذب في تلك الظروف ثقيلة على الرئيس الأميركي، ذلك لأن مشروع الغزو كله قد بني على أكاذيب، لفقها جهاز الاستخبارات الأميركية مستعيناً بعدد من العراقيين الذين يتوزعون ما بين الرغبة في الانتقام وبين استثمار القدرة على الاحتيال. 

ذلك ما اعترف به في ما بعد أركان الغزو وفي مقدمهم وزير الخارجية يومها كولن باول وهو الرجل الذي قاد القوات الأميركية في حرب تحرير الكويت عام 1991. 

المهمة لم تنتهِ إذاً وكان الرئيس الأميركي يومها يكذب. 

 بعد ثلاثين سنة يأتي رئيس أميركي آخر اسمه جو بايدن ليعلن أن القوات الأميركية الموجودة في العراق ستنهي مهماتها القتالية مع نهاية هذا العام. وهو في ذلك لا يكذب فحسب، بل وأيضاً يضلل جهات عديدة ليس من بينها الإيرانيون. 

 يحتاج الإيرانيون إلى بقاء القوات الأميركية بأي شكل من الأشكال من أجل أن يبرروا استمرار وجود ميليشياتهم التي صارت ثقيلة على الدولة العراقية الهشة التي صار من الصعب عليها أن تستمر في ظل الفوضى. إما الدولة وإما القوى التي تدعو إلى هدمها.

وهنا بالضبط سيكون وجود القوات الأميركية ضرورياً للحفاظ على هيكل الدولة العراقية. ذلك الهيكل المتداعي الذي يحرص الأميركيون كما الإيرانيون على استمراره كما هو لأسباب مختلفة. 

 أليست الميليشيات التابعة لـ”الحرس الثوري” الإيراني والحكومة العراقية على اطلاع على أسرار ذلك اللغز؟ ليس الطرفان معنيين سوى بأداء أدوارهما المرسومة. لذلك يبدو الصراع بينهما حقيقياً كما لو أن أحدهما سيتمكن من الآخر في أي لحظة ويقضي عليه. لكن الحقيقة ليست هنا. 

 يصلح العراق لأن يكون ساحة لتصفية الحسابات. ما ينادي به العراقيون وهو عكس ذلك لا قيمة أو تأثير له في طرفي الصراع. لقد مرت كل التنظيمات الإرهابية بالمدن العراقية. ذهب بعضها واختفى فيما استقر البعض الآخر. وحين يتم استحضار تنظيم “داعش” بين حين وآخر من خلال عمليات قتل أو تفجير غامضة فإن ذلك الاستحضار ضروري من أجل تثبيت جدوى بقاء ميليشيات “الحشد الشعبي” بمختلف ولاءاتها. 

 تلك المعادلة يمكن توسيعها لتشمل العلاقة الملتبسة بين الميليشيات الولائية (الموالية لإيران) والقوات الأميركية التي هي حبيسة قواعدها ولم يشهد العراق نشاطاً لها منذ سنوات. فمن غير تلك القوات تفقد تلك الميليشيات واحداً من أهم أسباب بقائها. فالاحتلال والمقاومة هما طرفا المعادلة التي تقوم على أساسها عملية تصفية الحسابات التي يُخيل إلى العراقيين أنها مسألة مرتبطة بوقت محدود. 

 وإذا ما كانت فقرة مصير القوات الأميركية الموجودة في العراق قد أُدخلت عنوة في محاضر جلسات الحوار الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة فإن ذلك لم يحدث إلا من أجل الحد من الضغوط التي تمارسها الميليشيات على الحكومة العراقية وليس من أجل حماية المصالح الأميركية التي يشكل الإضرار الحقيقي بها خطاً أحمرَ، تعرف إيران أن تجاوزه يمكن أن يُحدث تحولاً سيئاً على صعيد الصراع مع الولايات المتحدة. 

 لقد استجابت الولايات المتحدة لطلب الحكومة العراقية، بحيث جاء التصريح المتعلق بسحب القوات الأميركية على لسان الرئيس الأميركي وهو ما لم تشهده جلسات الحوار السابقة. 

 كل هذه المعطيات المتقاطعة تشير إلى خلاصة لا يمكن تخطيها وهي أنه ليس في مقدور الرئيس الأميركي بايدن أن يتحمل مسؤولية تسليم المنطقة كلها إلى إيران. ذلك لأن العراق هو مفتاح المنطقة. لذلك فإنه يضطر إلى اللجوء إلى الكذب في انتظار ما تسفر عنه مباحثات فيينا التي تعمل إيران على إرجاء التوصل إلى نتائج واضحة فيها في انتظار أن تتخلى الولايات المتحدة نهائياً عن مسألة التمدد الإيراني الملغوم في المنطقة.   صراع تحت الطاولة، كل طرف يسعى إلى الاستفادة من الوقت من أجل تمرير أجندته. وإذا كان الإيرانيون يملكون على الأرض الأدوات التي تؤهلهم للاستمرار في الضغط المزعج الذي يجعل الوقت يمر ثقيلاً على الطرف الثاني، فإن ما يجري داخل إيران من احتجاجات شعبية هو بمثابة جرس إنذار، شديد الوقع، لا يملك النظام بعده سوى أن يلتفت إلى خلل المعادلة التي أقامها بين نزعته إلى التمدد والانتشار وبين داخل مُخترق يمكن أن تستفيد أطراف عديدة من تهالكه ورثاثته وضعف بنيته لتجعل من الانفاق على مشاريع تصدير الثورة سبباً في انهيار النظام من الداخل.

 كان الإيرانيون قد اعتقدوا أن الوقت يمر لمصلحتهم وهو ما أوحى به تلهف إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى العودة إلى مائدة المفاوضات، غير أنهم لم يقدروا أن تصفية الحسابات في العراق ستأخذ أشكالاً أخرى غير متوقعة كأن تمتد إلى داخل إيران. 

بالتأكيد كان الرئيس الأميركي يكذب حين أوحى بقرب تخليه عن العراق في الوقت الذي كان على النظام الإيراني أن يطفئ حرائق ثورة قد تطيحه. 

(٭ نقلًا عن النهار الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق