
يشهد السودان هذه الأيام واحدة من أخطر الظواهر الهيدرولوجية في تاريخه الحديث، إذ أدى استمرار حجز المياه في السد الإثيوبي إلى تجفيف مجرى النيل الأزرق في مناطق واسعة، رغم أن الفترة الحالية هي فترة الفيضان التي يفترض أن ترتفع فيها المناسيب. ويؤكد خبراء أن هذا الجفاف غير مسبوق، ولم يرد في السجلات التاريخية حدوث انخفاض بهذا المستوى في موسم الأمطار.
تجفيف النيل وتعطل الطلمبات تسبب انخفاض المناسيب في خروج طلمبات مياه المدن من الخدمة، ما أدى إلى انقطاع الإمداد المائي عن بعض المناطق. كما خرجت طلمبات ري المشاريع الزراعية عن العمل، مما يهدد الموسم الزراعي ويعرض آلاف المزارعين لخسائر كبيرة. ويشير مختصون إلى أن هذه الظاهرة لم تُسجَّل عبر التاريخ في السودان، إذ لم يحدث أن جف النيل الأزرق بهذا الشكل في ذروة موسم الأمطار، ما يعزز المخاوف من أن الأمر مرتبط مباشرة بعمليات التخزين الجائرة في السد.

وعود قبل بناء السد… تكشف الوقائع اليوم بطلانها قبل بناء السد، روّجت لجنة البشير وحمدوك الفنية لجملة من الوعود، من بينها انتظام جريان النيل طول العام، وإمكانية الزراعة لثلاثة مواسم كاملة، وانتهاء مشكلة شح المياه في فترات الجفاف. وقد حذّر خبراء في ذلك الوقت من أن هذه الوعود غير مهنية وخيالية، وطالبوا بضرورة إجراء دراسة الأثر البيئي. كما أن السودان لا يملك أي سيطرة على تشغيل السد، وأن الاعتماد على طرف خارجي في تنظيم جريان النيل يحمل مخاطر كبيرة.
مع ظهور الجفاف غير المسبوق اليوم، وتعطل الطلمبات، وانخفاض المناسيب في ذروة موسم الأمطار، يرى منتقدون أن الوقائع كشفت بطلان تلك الوعود، التي وصفوها بأنها كانت تسويقاً سياسياً ومبالغات غير مستندة إلى دراسات تشغيلية.
حجز المياه يقترب من السعة القصوى تشير التقديرات إلى أن حجم المياه المحجوزة داخل السد الإثيوبي بلغ نحو 65 مليار متر مكعب، بينما تبلغ السعة القصوى 74 مليار متر مكعب. ويأتي هذا في وقت يتوقع فيه وصول ذروة الفيضان خلال شهر سبتمبر، ما يرفع احتمالات فتح بوابات الطوارئ بصورة مفاجئة إذا اقتربت السعة من الحد الحرج.
طوفان العام الماضي… خسائر بلا مساءلة في العام الماضي، فتح الجانب الإثيوبي بوابات الطوارئ بعد احتجاز مياه الفيضان لأسابيع، ما أدى إلى إطلاق تدفقات تجاوزت 800 مليون متر مكعب خلال يوم واحد. وفي اليوم التالي، بلغت التدفقات نحو 750 مليون متر مكعب، وهو مستوى يفوق الحد الذي تعتمده وزارة الري السودانية للفيضان والمحدد بـ 600 مليون متر مكعب. وقد أدت تلك التدفقات إلى غرق منازل وتدمير مزارع على امتداد النيل، دون أن تقوم الجهات المختصة في السودان بحصر الأضرار أو المطالبة بتعويضات.
تشغيل جائر بين التجفيف والإغراق يحذر خبراء من أن السد يمكنه إطلاق ثلاثة فيضانات في اليوم الواحد ولمدة قد تصل إلى عشرين يوماً متتالية، ما يجعل السودان عرضة لسيناريوهات إغراق واسعة إذا تم فتح بوابات الطوارئ في ذروة الفيضان. وفي المقابل، يؤدي حجز المياه لفترات طويلة إلى جفاف النيل في وقت الحاجة إليه، وهو ما يصفه الخبراء بأنه تشغيل جائر يجمع بين التجفيف والإغراق.

مختصر للمخاطر الهيدرولوجية يرى مختصون أن المخاطر الهيدرولوجية المرتبطة بالسد تتمثل في ثلاثة محاور رئيسية:
- عدم القدرة على التنبؤ بالتشغيل: غياب التنسيق الفني بين السودان وإثيوبيا يجعل تدفقات النيل الأزرق غير قابلة للتوقع.
- عدم التصريف في موسم الجفاف واستمرار ضعف التصريف في موسم الفيضان: السد لا يطلق كميات كافية من المياه في موسم الجفاف، ما يؤدي إلى عطش مائي واسع، ثم يستمر ضعف التصريف حتى في موسم الفيضان.
- الإطلاق المفاجئ للطوفانات: فتح بوابات الطوارئ عند بلوغ السعة الحرجة قد يؤدي إلى موجات إغراق مدمرة. ويؤكد خبراء أن الجمع بين التجفيف والإغراق يمثل أخطر سيناريو هيدرولوجي يمكن أن يواجهه السودان، خاصة في ظل غياب اتفاق تشغيل ملزم يضمن سلامة المدن والمشاريع الزراعية على ضفاف النيل الأزرق.
٭ (مواطن سويسري سوداني وعضو مجموعة مخاطر السد الإثيوبي)




