سياسة

من جيل النكبات إلى جيل الخيبات …!

أحمد الونزاني

 كانت سنة 1948، سنة فارقة في حياة الأمة العربية والإسلامية، ففي هذا العام تغيرت الخريطة السياسية للعالم العربي باختطاف جزء منه لصالح الكيان الصهيوني، لتحقيق وعد بلفور المشؤوم و بهذا تم  زرع ورم  سرطاني  في الرئة اليمنى من جسد العالم العربي، الذي كان يرزح تحت الإحتلال البريطاني و الفرنسي في آن واحد. احتلال استعماري مكن  لقيام احتلال جديد من نوع مختلف. احتلال يقوم على الكراهية و استئصال الآخر، عبر القتل و التشريد و انتزاع الأرض و تغيير الحقائق التاريخية للمكان بالتزوير و التدليس و اختلاق الأساطير.

كانت مقاومة الاحتلال الجديد ،قوية إلى حد أنها كادت ان تعصف بالمشروع الصهيوني في بداياته الأولى، إلا أن المؤامرة المحكمة قضت بتسليح العصابات الصهيونية بأسلحة فتاكة و حظر الأسلحة عن الأبطال المجاهدين و عن المقاومة المسلحة، بل تم البدء بتصفية و اعتقال رجالات و أبطال المقاومة  و عدم السماح للمجاهدين الشباب بالالتحاق  بفلسطين من أجل الجهاد و تحرير فلسطين. كانت المأساة واضحة بأن هنالك تكالب عالمي و عربي على الشعب الفلسطيني و ان الإحتلال مدعوم بقوى إقليمية محلية ودولية. في خضم هذا الوضع استطاعت العصابات الإرهابية المسلحة الصهيونية أن تفتك بالشعب الفلسطيني الأعزل و ان تسيطر بالقوة على كثير من القرى والمدن الفلسطينية، و بهذا ستعرف المنطقة العربية أول طلائع من اللاجئين الفلسطينيين، الذين غادروا قراهم و بيوتهم مكرهين بسبب غياب أي حماية لهم، لا عربية أو دولية. كانت الطوابير الطويلة تصل إلى الأردن و سوريا و لبنان و أخرى إلى كل دول العالم، فتكون بذلك الشتات الفلسطيني و الذي يقدر بالملايين. ملاجئ مؤقتة تحولت إلى ملاجئ دائمة، هجرة مؤقتة تحولت إلى هجرة أبدية. 

جاءت حركة الضباط الأحرار في مصر سنة 1952، لتعطي للقضية الفلسطينية بعدا قوميا و إسلاميا و تحركت كل أدوات البروباغندا لدعم ذلك، لكن انفراط عقد الضباط الأحرار مع  جماعة  الإخوان المسلمين، جعل الأمور تنحى نحو تصادم الحليفين و الدخول في معركة صفرية، أدت إلى اعتقال عدد كبير من شباب الجماعة المتوجهين للجهاد في فلسطين. و اعتقال قيادات  من الإخوان المسلمين و على رأسهم سيد قطب. كان الإنتقام كبيرا لكن المؤامرة كانت أكبر، فقد أصبحت دول الطوق، طوق النجاة للمشروع الصهيوني  الذي بدأ يسارع الخطى نحو بناء دولة الإحتلال عبر تشجيع الهجرة نحو أرض الميعاد. هجرة منظمة من كل دول العالم، بالخصوص من أوروبا الشرقية و روسيا و البلاد العربية و التي كانت الحاضنة الكبرى لليهود، و بهذا الخصوص فقد كان النظام العربي متواطئا بشكل كبير في تسهيل هذه الهجرة، التي قوت شوكة الكيان الصهيوني الديموغرافية.

ثم جاءت سنوات البروباغاندا و الدعاية تارة بإسم القومية العربية و تارة أخرى بإسم الأيديولوجية الدينية و الفكر الشيوعي أو اليسار العربي الذي حكم آنذاك معظم الدول العربية.

كانت نكبتتا في الشعارات الجوفاء التي عاشت عليها الشعوب العربية بفضل نخب سلطوية حتى النخاع، لا تملك مشروعا مجتمعيا يخرج البلاد العربية من الفقر و الجهل و التبعية. نخب فاسدة و مستبدة و غارقة في أوهام الوطنية الزائفة و القومية على المقاس الأيديولوجي.

كانت نكبتتا في التبعية و عدم امتلاك الإرادة و الرغبة في تحقيق الحلم العربي في الريادة العالمية. كانت كل مقومات التفوق و التميز والقدرة  موجودة في العالم العربي، الإنسان و المقدرات الضخمة، المادية و المعنوية و البشرية، لكننا اخلفنا الموعد حين كان الآخر منهمكا في البناء.

و كان العدوان الثلاثي بمثابة إنذار، لنتحرك في الاتجاه الصحيح للتاريخ، لكن بدلا من تقوية الجبهة الداخلية، و مراجعة أخطائنا، بدأت الإعدامات و الاعتقالات و التضييق على الحريات العامة والإعلام و حرية الرأي والتعبير. فكانت النتيجة الهزيمة النكراء في 1967. هزيمة و احتلال جديد شمل سيناء المصرية و القدس و الغور الأردني و الجولان و أجزاء من لبنان.

هزيمة كان الغرض منها إذلال الشعوب العربية، أن تشرب الشعوب العربية الهزيمة فكريا و نفسيا، أن تؤمن هذه الشعوب بعدم القدرة على مواجهة طغيان العدو الصهيوني، أن تؤمن بتفوق  العدو الصهيوني سياسيا و عسكريا و على كل المستويات. و هذا ما عملت عليه أجهزة الدعاية العالمية و حتى العربية. إظهار العدو الصهيوني كقوة لا تهزم، القوة الأسطورة في الشرق الأوسط.  

دخلت المنطقة العربية دوامة العواصف السياسية والأمنية، أدى ذلك إلى نشأة أنظمة شمولية اقصائية، لا تؤمن بالتعددية و لا  بتداول السلطة .

بالمقابل كانت حروب الاستنزاف ضد العدو الصهيوني، تعطي نفسا و أملا للشعوب العربية في القدرة على هزم الكيان الصهيوني، و كذلك أعطت  مشروعية لتلك الأنظمة المستبدة و الصفرية مع شعوبها.

حرب اكتوبر، كانت نقطة فاصلة أدت إلى انقسام ثنائي بين من يؤمنون بالقدرة على الانتصار و دحر المحتل، و بين من يعتقدون بضرورة الدخول

في سلام دائم مع هذا العدو، و حتى التعايش معه. و هكذا جاءت اتفاقية كامب ديفيد، و توالت بعدها اتفاقيات سلام و تفاهمات مع هذا الكيان. فيما تركت يد العدو الصهيوني تعبث في لبنان، الذي انهكته الحرب الأهلية، و تم حصار الفصائل الفلسطينية في بيروت، مما أدى إلى خروج هذه الفصائل إلى المنفى الاختياري في كل من تونس و الجزائر و سوريا والعراق في بلاد المهجر. أصبحت تونس هي الحاضنة لمنظمة التحرير الفلسطينية و لكوادرها و زعيمها ياسر عرفات.

كان الوضع السياسي و الاجتماعي في المنطقة العربية يسير من السيء إلى الأسوأ، نظرا لتأزم الحالة الاقتصادية و انسداد الأفق، مما أدى  إلى حدوث قلاقل و ثورات جياع في كل المنطقة العربية بدون استثناء. المقاربة الأمنية قلصت هامش الحريات و حقوق الإنسان بصفة عامة و كان القمع و التضييق على حرية الرأي والتعبير أمر واقع شمل كل دول المنطقة العربية. و صار المتنفس الوحيد لكل هذا هو الهجرة  أو الهروب من ذلك  الجحيم بأي شكل. صارت الحياة في العالم العربي رتيبة و كئيبة و بئيسة بالنسبة لآلاف الشباب بسبب انسداد الأفق السياسي و الاجتماعي و العطالة في صفوف المؤهلين و  خريجي الجامعات و معاهد التكوين المهني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق