مجتمع

عودة اضطرارية إلى موضوع تحقير الكهنوت للمرأة.. دون أن أكون “فيمينيست” بالضرورة!!

عبد الحميد اليوسفي

يشير المثل: “مُضْطَرٌّ أخُوكَ لَا بَطَل”، إلى الحالة التي يكون المرء فيها مغلوباً على أمره فتدفعه إلى اتخاذ موقف قد يُلام عليه… موقف قد يصنّفه البعض في خانة اللامعقول، أو على الأقل، في خانة المتكرِّر إلى حد الضّجَر!!

حسناً… هذا الموقف ألفيتُ نفسي الآن فيه، وأنا مُنْجَرٌّ انجِراراً طاغيا للعودة إلى موضوع سبق أن تطرقت إليه بإسهاب في مقال سابق!..

وكما يبدو في العنوان أعلاه، فالموضوع ذو صلة بمكانة المرأة ليس في الإسلام، لأن الإسلام كرّمها وأكرمها وأعلى من شأنها بما فيه الكفاية، وإنما في أذهانٍ مُحنََّطةٍ يُصر أصحابُها على إعادة إنتاج أقوال الموتى في هذه الإنسانة، التي تُشكّل نصف أو أكثر من نصف المجتمع الإنساني، بحيث يكون لها ما له، وعليها ما عليه، والتي هي الأم والزوجة والإبنة، وهي الجدة والعمة والخالة، وهي الحبيبة، وزميلة الدراسة والعمل، ورفيقة الدرب، والمَسير الدنيوي… باختصار، هي النصف الثاني من الوجود الإنساني، أي مِن الكُلّ، أحبَّ ذلك مَن أحبَّ، وكَرِهَهُ مَن كَرِه!!

لقد جذبَتْني جذباً مُبْرِحاً إلى القول في هذا الموضوع من جديد، روايةٌ لحديث نبوي (أنظر الصورة المرفقة) لم أصدّقها شخصياً، جاء فيها بالحرف: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الدنيا مَتَاعٌ، وَخَيرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ”… واوووو !!!

بكل بساطة أقول، تعقيباً على هذه الرواية، إنها باطلة مُبطِلة، ومن بين الروايات الكاذبة، التي نسبها الرواة ومَن حَذَا حُذوَهُم إلى “الصادق الأمين”، الذي يستحيل أن يسمّي المرأة “متاعاً من متاع الدنيا”، أو “زينةً من زيناتها”، أو “شهوةً من شهواتها”، كما ذهب إلى ذلك المفسرون والشيوخ الأموات، وهو يعلم أن المرأة لم يصنفها التنزيل الحكيم في خانة المُتَع والزينات والشهوات، أُسوةً بالمال والبنون (بمعنى البنيان وليس الأبناء)، وبالخيل المسومة والحمير والبغال… وغيرها من مكوِّنات الشهوة والمَتاع الدنيويَّيْن!!

ناقشتُ أحد أصدقاء الطفولة والدراسة الابتدائية والثانوية (غير أننا افترقت سبُلُنا في الدراسات الجامعية) وهو فقيه مُعتبَر، حول هذه الرواية التي أربأ بنفسي أن أسميَها “حديثاً”، فقال لي:

– بما أنك تحب أن يُأتَى إليكَ بالبرهان من القرآن دون غيره، فإليك هذا الدليل… ثمّ تلا عليّ الآية 14 من سورة آل عمران: “زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ”، ثم نظر إليّ بنوع من الخُيَلاء ولسانٌ حاله يقول، “هاقد أفحمتُك”، وأتْبَع ذلك بضحكة سريعة اعتقدَ صاحبي أنها ستُنهي النقاش، ولكنّ الحالَ أنها جعلت النقاشَ يبدأ من جديد بمقاييس جديدة، لا أقول غير مسبوقة، ولكنها جعلت صديقي في حالة من الحرج لأنها وَضعَتْه بين نارَيْن:

– إمّا أن يتعصب لتفاسير السلف، وقد بدأ يفطن إلى ضُعفها وهَوانها؛

– أو يسمح لنفسه برفض بعضٍ من “التراث الديني” (وما هو في حقيقته بالديني) الذي تربَّى على تقديسه، فيَفقِد بذلك مكانتَه الاجتماعية التي أسّسها ونمّاها بفكره وسلوكه المحافظَيْن على مر سنين عمره !..

لذلك، انتهى النقاش بيننا حول هذا الموضوع بدون أدنى نتيجة، وإن كنتُ في واقع الأمر موقِناً بأن بذور الشك قد بدأت تتفتق في ذهن صديقي ذاك تجاه قناعاته السابقة!!

سوف أعود كما قلتُ، مضطراً، إلى هذه الآية بالذات، لأنها بمثابة قطب الرحى الذي يتمسك به التراثيون، أمثال صديقي الطيّب، لإثبات انتماء المرأة إلى خانة “متاع الحياة الدنيا وشهواتها”، وسأفعل ذلك بالتدرّج، كما فعلت ذاتَ مقالٍ سابق:

1- “زُيِّنَ لِلنَّاسِ”:
“الناس” يا حضرات، يتشكّلون بالخِلقة وبالمنطق والبداهة من “ذكور” و”إناث”. ولا أعتقد أن هناك مِن العقلاء مَن سيقبلون أن “يُزيّن الخالق سبحانه وتعالى للنساء شهوةَ النساء”، اللهم إلا إذا افترضنا تَحقُّقَ ذلك، “بشرياً” وليس ربّانياً، في دنيا الشذوذ الجنسي أو المِثلية. وهذا يدفعنا منطقياً إلى مساءلة لفظ “النساء” فيما سيلي من المناقشة.

2- “حب الشهوات”:
الشهوة لا تنتمي للفطرة ولا للغريزة. مثال ذلك:
أنّ “الفطرة” تجعلنا نميل إلى كل ما هو سهل وبسيط وخالٍ من التعقيد، وكل ما هو خَيِّرٌ وسليمٌ وآمِن…

بينما “الغريزة” تجعلنا بالوجوب نلبّي احتياجاتنا الحيوية، التي لا يتحقق العيش بدونها، بدءاً بالاستعمال الطبيعي والتلقائي للحواس، وبوظائف أخرى حيوية مثل التنفس والأكل والشرب والحركة والسكون والنوم واليقظة… الخ.

وأما “الشهوة” فهي زيادة عن كل هذه الحاجات الغريزية، عبارة عن تطوير للأذواق وتنويعٍ لها، بما يزيد عن الحاجة، مثل “حبنا الشهواني” لآخر المنتجات والمخترعات، وبتعبير آخر: حبنا للمُتَأخِّرات، أي آخر الصيحات، في الأكل والشرب واللباس، وفي السكن، وفي وسائل النقل… وسَيْرُنا في هذا المشوار يبدو بلا نهاية، إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، وتلك سُنّة الله في خلقه، “ولن تجد لسنة الله تبديلاً”.

إن مقارنةً يسيرةً، بين كل من الغريزة والشهوة، تجعلنا على بيّة من الفارق الشاسع بين الإثنتين.

مثال ذلك: أن الغريزة تفرض علينا أن نأكل ونشرب لكي نعيش، وبالتالي لكي نبقى، وهذا إجباري ولا خيار لنا فيه. أما الشهوة فتضعنا أمام خيارات طوعية وغير إجبارية في إضافة مُحَلِّيات ومُمَلِّحات ومرطبات ومُقَبِّلات بألوان وأذواق لا نهاية لها لأكٌلِنا وشُربِنا، فيتحقق بذلك اختلاف شاسع ومتنوع فيما بين بعضنا البعض… وهذا لدينا الخيار فيه وبالتالي لا علاقة له بالغريزة المرتبطة بنا بالوجوب والضرورة، والتي لا نختلف فيها البتة.

3- “مِنَ النٍِسَاءِ”:
سبق القول منذ البدء في مناقشة هذه الآية إن الخالق عز وجل يستحيلُ أن يجعل “النساء” (بمعنى جمع امرأة) “شهوةّ للناس”، وبالتالي “للرجال والنساء” معاً، وبتحصيل الحاصل “شهوةً للنساء” !!

هذا لن يقبله عاقل، وبالأحرى لن يقبله مؤمنٌ حقَّ الإيمان، ومِن ثَمّ وجب علينا البحث في المعنى الآخر للفظ “نساء”، وهو جمع “نسيء”، بمعنى كل شيء متأخر الظهور، وهذا ما أشرنا إليه أعلاه بآخر المبتكَرات، وباصطلاح “الموضة” أو “آخر الصيحات”، ولهذا علاقة بكل وسائل العيش التي يطالُها وصف “الشهوات”، مِن كل ما ذكرناه أعلاه، مِن أكل وشُرب ولباس وسَكَن ووسائل نقل وغيرها… وهكذا نجد أن معنى “جمع المتأخرات”، هذا، يستقيم تمام الاستقامة مع المُراد الربّاني من لفظ “النساء”، وأن معناه الأخير هذا يتناغم مع مفهوم “الشهوة” و”المتاع”، وأن المرأة بالتالي بعيدة كل البُعد عن مناط هذه الآية.

4- “والبَنِينَ”:
إن المفهوم القرآني المتعلق أعلاه بلفظ “النساء”، هو نفسُه الذي يجعلنا نبحث في دلالات لفظ “البنين”، في “اللسان العربي المبين”، لنجد أنه لا يشير إلى الأبناء والخلَف كما ذهب إلى ذلك معظمُ مُفسري السلف، حتى لا أقول جميعُهم، وأن اللفظ إنما هو جمع “للبناء”، وهذا ينسجم ويتكامل مع مفهوم “المتأخّرات بمعنى المستجدّات، وموضة المتاع الدنيوي، من مبانٍ ودور وفيلات وعمارات فاخرة، تشكل “شهوةً” فوق الحاجة، ولأنها تخطت الوظيفة الغريزية المتمثلة في السكن الضروري للعيش، فتطوّرت إلى شهوات في الهندسة والتأثيث والزخرفة والتزيين والتلوين إلى ما لا نهاية… وهذا أيضا يستقيم مع المعنى الشمولي “للشهوة” و”المتاع” و”الزينة”… يضاف إليه بالبداهة ما بقي من الآية الكريمة، مِن قناطير مقنطرة من المعادن النفيسة ومن الخيول المسوّمة، بمعنى الأصيلة ومعلومة الأسماء والأنساب… وذلك كله ينطبق عليه بالعقل والمنطق وصف “متاع الحياة الدنيا” بكل تأكيد…

وهكذا يتبيّن لنا أن المرأة لم يَسِمْها الحقُّ عز وجل بوصف “الشهوة” ولا “المتاع الدنيوي”، وبالتالي يتّضح لنا مدى كذب تلك الرواية، التي دفعتني دفعاً شديداً للعودة إلى هذا الموضوع من جديد، لعلني أبرئ ذمتي مما علق به من تفاسير يقدَح أصحابُها بعلم وقصد، أو بغيرهما، في جمال الخَلْق الإلهي من جهة، وجمال الخُلُق النبوي من جهة ثانية، وشتّان ما بين هذين الجمالَيْن الربانيَيْن، في الخَلْْق الإبداعي، وفي الخُلُق الفكري الراقي والمتسامي… والمرأةُ في كل ذلك لها مكانتُها التي جعلها رب العزة لها بدون منازع، لكونِها نصفَ كأس الحياة، الذي نَتْرَعُ مِنه ونَعُبُّ ونَنْهَلُ سواسيةً، ذكوراً وإناثاً، لأن هذه الحياة الدنيا لا تستقيم بغيرنا نحن الإثنين معاً، ولولا ذلك لما كان أساسُنا الأول من “نفسٍ واحدة” قال الله تعالى في وصف معاملته الرحيمة مع شُقّيْها الذكوري والأنثوي: “…فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۖ ” (آل عمران- 159)، لاحظوا تعبير “بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ”، وهو التعبير الدال على عدم جواز استعلاء أيٍّ من هذين الجنسين على الجنس الآخَر، وهذا من أدق الأدلة على المساواة في النوع، رغم اختلاف البنيات الجسدية والوظائف، وهو الاختلاف الذي اقتضته طبيعة الحياة الدنيوية لضرورة التناسل والتوالُد والتكاثر من أجل “الاستخلاف وإعمار الأرض”!!!

ربنا ما خلقتَ ما في الكون جميعاً وفي أنفسنا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق