مجتمع

العرب ما بين التاريخ والعصرنة

ما بين تعلق في الماضي وتأففاً من الحاضر وانتظاراً للمستقبل … إلى أين المسير

عماد الخالدي

ما من مجتمع أينما وجد إلا وتجده يقدس أسلافه وتاريخه حتى أنهم يغفرون لهم أخطاءهم، ولا ضير في ذلك فهي سنة الله في الخلق منذ الأزل.

فالحنين الجارف إلى الماضي ورفع المقامات والتمجيد للأسلاف يمكننا أن نعزوه إلى دواع اجتماعية ونفسية.

فمن ذلك أن الإنسان إذا تقدم في العمر وضاقت به سبل الحياة وخارت قواه، تراه قد استبد به الحنين إلى أيام شبابه وماضي حياته.

وزيادة على ذلك فإن المرء ميال بطبيعته إلى نسيان إخفاقاته مهما صغرت تفاصيلها وأيضا يميل إلى دفن أحزانه التي مرت في مسيرته ضافيا على حياته التي مضت وولت مسحة من المثالية، وهذا نفس الشيء الذي يفعله الواحد منا مع السلف حين نضفي على أزمنتهم الغابرة مسحة من الطهر والنورانية والمثالية.

ومما لا شك فيه أن التغني بحضارة الماضي وتعظيم السلف ورفعهم إلى أعلى الدرجات ما هو إلا سلوك معتاد بين كل الشعوب والأمم، لكن دائما ما يترافق كل هذا الحنين واشتعال جذوته، بتراكمات المحن وعدم القدرة على التحكم وقيادة الدفة كما يجب.

فعندما تتأزم الأحوال وتتبعثر الآمال وتراها سبل الخلاص قد ضاقت يصبح الماضي وبطولاته ورجالاته حصنا منيعا تلوذ به النفوس لعلها تجد فيه ملجأً وعزاءً مما تصطلي به من الظلم والوهن الذي يخيم في النفوس.

إذا ما نظرنا اليوم إلى أحوالنا نحن العرب عموما والمسلمين على وجه الخصوص تجدنا أكثرنا المتدينين وغير المتدينين لا نرى في الحاضر إلا وهج تعاظم المفاسد وتفاقم المعاصي إلى حدود لم نعهدها من قبل وارتهان للشيطان في كثير من تصاريف الحياة، وأقصد هنا بالذات الوهن النفسي الذي يودي بالكثير إلى سلوك الطرق الملتوية لإدارة حياته ومن حوله معه،  وأيضا ضياع للإيمان الذي ما عدنا نرى منه إلا تراشق على المنصات ما بين التأويل بصحة هذا الاتجاه وخطأ ذاك الاتجاه، وكثيرا من الفتاوى التي لم يعد معها الناس يعرفون إلى أي فريق يتبعون وأي المسالك يتخذون من كثرة الاختلافات وانشقاق الآراء بين مطالب بالحداثة التحديث وما بين ملتزم بالمعاصرة وقواعدها الفكرية.

وما بين اقتباس من القديم وصياغة جديدة للمفاهيم، سقطت العقول في هوة ضياع الهوية، فلا نرى إلا الحكيم حيران، والمثقلة أكتافه بإرهاق صروف الدهر إلا وقد نازعته الدنيا إلى أين يلتجا وأين المستقر.

لا بد من وقفة قصيرة والنظر إلى أبعد ما يمكن الوصول إليه، فأغلب المجتمعات الإنسانية بكل أطيافها وعقائدها تهتم بقضية جدا جوهرية وهي، في كيفية التوفيق بين الأصالة والمعاصرة والحداثة لتنتج رؤية واضحة لمن تاهت به السبل في معرفة أين هو طريق الصواب والصلاح، وبمعنى أكثر دقة يمكننا القول كيف يمكننا إيجاد الصيغة المناسبة للحفاظ على القيم والمثل والتقاليد وأيضا المؤسسات التي أنشأتها حضارة ما من الحضارات مع ضمان استمرارية ما ينفع منها وتحصينه من أي تداعيات سلبية للتحديث والتي تفضي إلى الاستلاب.

لا يمكن تجاهل خطر استمرار عملية التحديث والمعاصرة إلى ما لا نهاية بسبب الاقتباس عن الآخرين دون النظر إلى ماهية الأفكار ومدى وملاءمتها لطبيعة المجتمع وقوامه.

بكلمة واحدة ومن دون تردد أقول إن الاقتباس لا ولن يجدي نفعاَ بهذه الطريقة الشائعة التي نراها اليوم والتي تعتمد على الأخذ ممن سبقونا دون الاهتمام في تطوير المفاهيم بحيث تناسب روح العصر لهذا الزمن ومعطياته على ارض الواقع فنحن نحتاج إلى نهج حياة نعيشها اليوم لا مجرد اقتباسات نسخها من هناك ولصقها هنا،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق