سياسة

في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬والخليج‭ ‬العربي،‭ ‬تتجدد‭ ‬الأسئلة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بمستقبل‭ ‬الحريات‭ ‬العامة،‭ ‬واستقلالية‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬ومكانة‭ ‬المواطنة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭.‬

كما‭ ‬تظل‭ ‬قضايا‭ ‬حرية‭ ‬التعبير،‭ ‬وحقوق‭ ‬المرأة،‭ ‬ومناهضة‭ ‬الطائفية‭ ‬والتمييز،‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الملفات‭ ‬التي‭ ‬تختبر‭ ‬قدرة‭ ‬الأنظمة‭ ‬السياسية‭ ‬والمجتمعات‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬نحو‭ ‬نموذج‭ ‬أكثر‭ ‬انفتاحاً‭ ‬وعدالة‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يستضيف‭ ‬عمود‭ ‬‮«‬حديث‭ ‬الساعة‮»‬‭ ‬ضمن‭ ‬أنباء‭ ‬إكسبريس‭ ‬الكاتب‭ ‬والناشط‭ ‬الحقوقي‭ ‬والسياسي‭ ‬الكويتي‭ ‬أنور‭ ‬الرشيد،‭ ‬رئيس‭ ‬المنتدى‭ ‬الخليجي‭ ‬لمؤسسات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬وأحد‭ ‬الأصوات‭ ‬المعروفة‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الحريات‭ ‬وترسيخ‭ ‬قيم‭ ‬الدولة‭ ‬المدنية‭ ‬والمواطنة‭ ‬المتساوية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭.‬

ويأتي‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬لفتح‭ ‬نقاش‭ ‬معمق‭ ‬حول‭ ‬واقع‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬والتحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬المدافعين‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وحدود‭ ‬الإصلاح‭ ‬السياسي،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬مستقبل‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬ودور‭ ‬النخب‭ ‬الفكرية‭ ‬والإعلامية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬خطاب‭ ‬الكراهية‭ ‬والانقسامات‭ ‬الطائفية‭.‬

كما‭ ‬يتوقف‭ ‬الحوار‭ ‬عند‭ ‬مقال‭ ‬أنور‭ ‬الرشيد‭ ‬الأخير‭ ‬المعنون‭ ‬‮«‬ملك‭ ‬المغرب‭.. ‬يكسر‭ ‬الـ‭ ‬Taboo‭ ‬الذي‭ ‬أرّق‭ ‬تاريخ‭ ‬المنطقة‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬تناول‭ ‬فيه‭ ‬التعيين‭ ‬الملكي‭ ‬لامرأة‭ ‬بالمغرب،‭ ‬وحظي‭ ‬بتفاعل‭ ‬لافت،‭ ‬بما‭ ‬يطرحه‭ ‬من‭ ‬أسئلة‭ ‬حول‭ ‬دلالات‭ ‬تمكين‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬مواقع‭ ‬القرار،‭ ‬وحدود‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬العقليات‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬بالمنطقة‭.‬

ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬المحاور،‭ ‬يسعى‭ ‬الحوار‭ ‬إلى‭ ‬استجلاء‭ ‬رؤية‭ ‬الضيف‭ ‬لمستقبل‭ ‬الإصلاح‭ ‬الحقوقي‭ ‬والسياسي،‭ ‬ومدى‭ ‬قدرة‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬القيود‭ ‬التقليدية‭ ‬وبناء‭ ‬دولة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬المواطنة‭ ‬والكرامة‭ ‬الإنسانية‭ ‬والمساواة‭ ‬أمام‭ ‬القانون‭.‬

عبد‭ ‬الحي‭ ‬كريط‭ ‬

‭< ‬كيف‭ ‬تقيّمون‭ ‬واقع‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والحريات‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬السياسية‭ ‬والنزاعات‭ ‬الراهنة؟

‭>‬بدايةً،‭ ‬أتقدم‭ ‬إليكم‭ ‬بجزيل‭ ‬الشكر‭ ‬وعظيم‭ ‬الامتنان‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الاستضافة‭ ‬التي‭ ‬أتشرف‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬بالإطلالة‭ ‬على‭ ‬قرّائكم‭ ‬الكرام‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬المغربية‭ ‬الشقيقة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جريدتكم‭ ‬المحترمة‭ ‬أنباء‭ ‬إكسبريس‭.‬

أما‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتقييم‭ ‬حالة‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬فإنني‭ ‬أقولها‭ ‬بحسرة‭ ‬وأسف‭ ‬شديدين،‭ ‬إذ‭ ‬تتذيل‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭ ‬مؤشرات‭ ‬التمتع‭ ‬بالحقوق‭ ‬والحريات‭ ‬الأساسية،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬يخفى‭ ‬على‭ ‬أحد،‭ ‬ومن‭ ‬أراد‭ ‬تبيّن‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬فليس‭ ‬عليه‭ ‬سوى‭ ‬الرجوع‭ ‬إلى‭ ‬التقارير‭ ‬الدولية‭ ‬المعتمدة‭ ‬بهذا‭ ‬الشأن‭.‬

وللأسف،‭ ‬يلجأ‭ ‬البعض‭ ‬إلى‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬مصداقية‭ ‬هذه‭ ‬التقارير‭ ‬واتهامها‭ ‬بالانحياز،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُعد‭ ‬هروباً‭ ‬مستمراً‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬والحقيقة‭.‬

وقد‭ ‬جاءت‭ ‬التحولات‭ ‬السياسية‭ ‬والنزاعات‭ ‬الراهنة‭ ‬لتزيد‭ ‬المشهد‭ ‬تعقيداً‭ ‬وتفاقماً،‭ ‬وعليه،‭ ‬فإن‭ ‬الخطوة‭ ‬الأولى‭ ‬والجوهرية‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الانتهاكات‭ ‬هي‭ ‬الاعتراف‭ ‬بوجودها،‭ ‬وهي‭ ‬بداية‭ ‬الألف‭ ‬ميل‭ ‬نحو‭ ‬تكريس‭ ‬احترام‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭.‬

‭< ‬ما‭ ‬أبرز‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬وبناء‭ ‬الدولة‭ ‬المدنية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج؟

‭> ‬تتمثل‭ ‬أبرز‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬في‭ ‬القوانين‭ ‬المقيّدة‭ ‬لها،‭ ‬والتي‭ ‬تُسنّ‭ ‬أحياناً‭ ‬تحت‭ ‬ذريعة‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬المجتمعي،‭ ‬ومنع‭ ‬الانزلاق‭ ‬نحو‭ ‬الفوضى‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬المسؤولة‭ ‬تُعد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الضمانات‭ ‬الفعلية‭ ‬لاستقرار‭ ‬المجتمعات‭ ‬وتماسكها،‭ ‬ولنا‭ ‬في‭ ‬تجارب‭ ‬الدول‭ ‬الديمقراطية‭ ‬خير‭ ‬مثال،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬أساسية‭ ‬مفادها‭: ‬‮«‬أنه‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬حرية‭ ‬مطلقة‭ ‬بلا‭ ‬ضوابط‮»‬‭.‬

فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬لا‭ ‬يحق‭ ‬لأي‭ ‬شخص‭ ‬دخول‭ ‬مكان‭ ‬مكتظ‭ ‬بالناس‭ ‬وإطلاق‭ ‬إنذار‭ ‬كاذب‭ ‬بوجود‭ ‬قنبلة‭ ‬ستنفجر،‭ ‬ثم‭ ‬يدّعي‭ ‬لاحقاً‭ ‬ممارسته‭ ‬لحقه‭ ‬في‭ ‬حرية‭ ‬التعبير،‭ ‬فحتى‭ ‬في‭ ‬أعرق‭ ‬الديمقراطيات،‭ ‬توجد‭ ‬تشريعات‭ ‬تحاسب‭ ‬على‭ ‬نشر‭ ‬المعلومات‭ ‬المضللة‭ ‬والكاذبة‭ ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الرأي،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تظل‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬قيمة‭ ‬أساسية‭ ‬ينبغي‭ ‬حمايتها‭ ‬لا‭ ‬تقييدها،‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬قسوة‭ ‬التشريعات‭.‬

‭< ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قضية‭ ‬‮«‬البدون‮»‬‭ ‬في‭ ‬الكويت‭ ‬عالقة،‭ ‬وما‭ ‬الحل‭ ‬الذي‭ ‬ترونه‭ ‬لإنهائها؟

‭>‬تُعد‭ ‬قضية‭ ‬‮«‬البدون‮»‬‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬قضية‭ ‬إنسانية‭ ‬بامتياز‭ ‬طال‭ ‬أمدها،‭ ‬وبصفتي‭ ‬حقوقياً،‭ ‬طالبت‭ ‬مراراً‭ ‬بضرورة‭ ‬إيجاد‭ ‬تسوية‭ ‬جذرية‭ ‬لهذه‭ ‬الأزمة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تراوح‭ ‬مكانها‭ ‬دون‭ ‬حلول‭ ‬ناجزة‭.‬

ويتمثل‭ ‬الحل‭ ‬العملي‭ ‬والمنصف‭ ‬إما‭ ‬في‭ ‬منحهم‭ ‬حق‭ ‬المواطنة‭ ‬لمن‭ ‬تنطبق‭ ‬عليهم‭ ‬الشروط،‭ ‬أو‭ ‬توفير‭ ‬خيارات‭ ‬قانونية‭ ‬وإنسانية‭ ‬واضحة‭ ‬تضمن‭ ‬لهم‭ ‬الاستقرار‭.‬

وكما‭ ‬حذرتُ‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عقدين،‭ ‬فإن‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬يجعله‭ ‬بمثابة‭ ‬‮«‬قنبلة‭ ‬موقوتة‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التنبؤ‭ ‬بموعد‭ ‬انفجارها،‭ ‬وآمل‭ ‬أن‭ ‬تُحل‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬الحقوقية‭ ‬في‭ ‬أسرع‭ ‬وقت،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أن‭ ‬المنطقة‭ ‬تعصف‭ ‬بها‭ ‬رياح‭ ‬تحولات‭ ‬جيوسياسية‭ ‬عميقة‭ ‬قد‭ ‬تجعل‭ ‬تداعيات‭ ‬أي‭ ‬انفجار‭ ‬محتمل‭ ‬كارثية‭ ‬على‭ ‬الجميع‭.‬

‭< ‬كيف‭ ‬تقيّمون‭ ‬دور‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬والسودان‭ ‬واليمن؟

بصفتي‭ ‬مستشار‭ ‬حقوق‭ ‬إنسان‭ ‬في‭ ‬منظمات‭ ‬تتمتع‭ ‬بالصفة‭ ‬الاستشارية‭ ‬لدى‭ ‬مجلس‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬التابع‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬فقد‭ ‬لمستُ‭ ‬عن‭ ‬قرب‭ ‬الدور‭ ‬البارز‭ ‬والمهم‭ ‬للمجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬رصد‭ ‬وتوثيق‭ ‬وحماية‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬والسودان‭ ‬واليمن،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬عموم‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬والعالم‭.‬

ففي‭ ‬السابق،‭ ‬كانت‭ ‬الانتهاكات‭ ‬تُرتكب‭ ‬وتُطوى‭ ‬في‭ ‬دهاليز‭ ‬النسيان‭ ‬لتصبح‭ ‬مجرد‭ ‬ذكرى‭ ‬تتناقلها‭ ‬الأجيال،‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬لم‭ ‬يُقدَّم‭ ‬مرتكبو‭ ‬مجزرة‭ ‬دير‭ ‬ياسين‭ ‬للعدالة‭.‬

أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فتخضع‭ ‬الانتهاكات‭ ‬للتوثيق‭ ‬الرصين،‭ ‬ويُحال‭ ‬مرتكبوها‭ ‬إلى‭ ‬آليات‭ ‬العدالة‭ ‬الدولية،‭ ‬مثل‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭. ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬الشواهد‭ ‬التاريخية‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬محاكمة‭ ‬شخصيات‭ ‬بارزة‭:‬

توماس‭ ‬لوبانغا‭ ‬دييلو‭ (‬من‭ ‬الكونغو‭).‬

راتكو‭ ‬ملاديتش‭ ‬ورادوفان‭ ‬كاراديتش،‭ ‬اللذان‭ ‬أُدينا‭ ‬بجرائم‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية‭ ‬وصدرت‭ ‬بحقهما‭ ‬أحكام‭ ‬بالسجن‭ ‬مدى‭ ‬الحياة‭.‬

سلوبودان‭ ‬برالياك،‭ ‬الذي‭ ‬توفي‭ ‬منتحراً‭ ‬بالسم‭ ‬أثناء‭ ‬محاكمته‭ ‬في‭ ‬لاهاي‭ ‬عام‭ ‬2017‭.‬

إضافة‭ ‬إلى‭ ‬مذكرات‭ ‬التوقيف‭ ‬والاتهامات‭ ‬الموجهة‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬البشير،‭ ‬وفلاديمير‭ ‬بوتين،‭ ‬وبنيامين‭ ‬نتنياهو،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬تحديات‭ ‬المثول‭ ‬الحضوري‭.‬

هذه‭ ‬السوابق‭ ‬القضائية‭ ‬تشكل‭ ‬رادعاً‭ ‬معنوياً‭ ‬وقانونياً‭ ‬تاريخياً‭. ‬فرغم‭ ‬أن‭ ‬الآليات‭ ‬الدولية‭ ‬لا‭ ‬تجادل‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬إنهاء‭ ‬الانتهاكات‭ ‬كلياً،‭ ‬فإنها‭ ‬تسهم‭ ‬بشكل‭ ‬حاسم‭ ‬في‭ ‬تقليصها،‭ ‬إذ‭ ‬يدرك‭ ‬مرتكبوها‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬عيوناً‭ ‬ترصد‭ ‬وتوثق،‭ ‬ومساءلة‭ ‬دولية‭ ‬لا‭ ‬تسقط‭ ‬بالتقادم‭.‬

‭< ‬في‭ ‬مقالكم‭ ‬‮«‬ملك‭ ‬المغرب‭.. ‬يكسر‭ ‬الـ‭ ‬Taboo‭ ‬الذي‭ ‬أرّق‭ ‬تاريخ‭ ‬المنطقة‮»‬،‭ ‬ما‭ ‬دلالات‭ ‬التعيين‭ ‬الملكي‭ ‬لامرأة‭ ‬في‭ ‬المغرب؟

‭> ‬عندما‭ ‬تلقيت‭ ‬نبأ‭ ‬تعيين‭ ‬السيدة‭ ‬فاطمة‭ ‬الزهراء‭ ‬المنصوري‭ ‬رئيسة‭ ‬للحكومة‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬المغربية‭ ‬الشقيقة،‭ ‬تملّكني‭ ‬شعور‭ ‬عميق‭ ‬بالأمل‭ ‬نحو‭ ‬المستقبل،‭ ‬وقد‭ ‬تحررنا‭ ‬من‭ ‬قيد‭ ‬من‭ ‬قيود‭ ‬الماضي‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تُخلّف‭ ‬سوى‭ ‬الدمار‭ ‬وسفك‭ ‬الدماء‭ ‬طيلة‭ ‬قرون‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬طالما‭ ‬عانت‭ ‬من‭ ‬تكرار‭ ‬التجارب‭ ‬الفاشلة‭ ‬دون‭ ‬محاولة‭ ‬تغيير‭ ‬معادلتها‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬الملكي‭ ‬السامي‭ ‬بكسر‭ ‬‮«‬التابو‮»‬‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬طالما‭ ‬قيّد‭ ‬مسارات‭ ‬التحديث‭ ‬في‭ ‬منطقتنا،‭ ‬يمثل‭ ‬خطوة‭ ‬تاريخية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬تُحسب‭ ‬لجلالة‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭.‬

لقد‭ ‬أثبت‭ ‬جلالته،‭ ‬برؤيته،‭ ‬استباق‭ ‬العصر‭ ‬وتجاوز‭ ‬إرهاصات‭ ‬الماضي،‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬مسبقاً‭ ‬بكسر‭ ‬تابو‭ ‬احتكار‭ ‬السلطة‭ ‬عبر‭ ‬تبني‭ ‬المغرب‭ ‬لنظام‭ ‬الأغلبية‭ ‬البرلمانية،‭ ‬وتكريس‭ ‬الخيار‭ ‬الديمقراطي‭ ‬قبل‭ ‬دول‭ ‬عديدة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

وتأتي‭ ‬هذه‭ ‬القفزة‭ ‬التحديثية‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬شعوب‭ ‬الأرض‭ ‬تتسابق‭ ‬نحو‭ ‬المستقبل،‭ ‬ليبقى‭ ‬هذا‭ ‬الإنجاز‭ ‬التاريخي‭ ‬مسجلاً‭ ‬بمداد‭ ‬من‭ ‬نور‭ ‬باسم‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس،‭ ‬الذي‭ ‬استحق‭ ‬هذا‭ ‬التقدير‭ ‬بامتياز‭.‬

‭< ‬حظي‭ ‬مقالكم‭ ‬بتفاعل‭ ‬جيد،‭ ‬هل‭ ‬يعكس‭ ‬ذلك‭ ‬تحولاً‭ ‬في‭ ‬نظرة‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬تولي‭ ‬المرأة‭ ‬مواقع‭ ‬القرار؟

‭> ‬أتمنى‭ ‬ذلك‭ ‬حقاً،‭ ‬فمجتمعاتنا‭ ‬العربية‭ ‬بحاجة‭ ‬ماسة‭ ‬إلى‭ ‬شيوع‭ ‬روح‭ ‬الإيجابية‭ ‬والأمل‭ ‬بعد‭ ‬قرون‭ ‬من‭ ‬الانكفاء‭ ‬على‭ ‬السلبية‭.‬

وكما‭ ‬أسلفت،‭ ‬فإن‭ ‬المبادرة‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬قادها‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬في‭ ‬كسر‭ ‬التوابيت‭ ‬التقليدية‭ ‬تفتح‭ ‬الباب‭ ‬واسعاً‭ ‬أمام‭ ‬مسارات‭ ‬التحديث،

وإن‭ ‬التفاعل‭ ‬الواسع‭ ‬للقرّاء‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬طرحته‭ ‬يعكس‭ ‬دلالة‭ ‬قاطعة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬باتت‭ ‬متعطشة‭ ‬لسماع‭ ‬أخبار‭ ‬إيجابية‭ ‬ونماذج‭ ‬رائدة‭ ‬تكرّس‭ ‬قيم‭ ‬الكفاءة‭ ‬وتكافؤ‭ ‬الفرص‭.‬

‭< ‬كيف‭ ‬تقارنون‭ ‬مشاركة‭ ‬المرأة‭ ‬سياسياً‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬ودول‭ ‬الخليج،‭ ‬وما‭ ‬أبرز‭ ‬العوائق‭ ‬أمام‭ ‬تعزيز‭ ‬حضورها؟

‭> ‬تحظى‭ ‬المرأة‭ ‬المغربية‭ ‬بحضور‭ ‬سياسي‭ ‬ومؤسساتي‭ ‬عريق‭ ‬ومتجذر،‭ ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬نماذجه‭ ‬الساطعة‭:‬

فاطمة‭ ‬الزهراء‭ ‬المنصوري‭ (‬رئيسة‭ ‬الحكومة‭ ‬ومنسقة‭ ‬القيادة‭ ‬الجماعية‭ ‬لحزب‭ ‬الأصالة‭ ‬والمعاصرة‭).‬

نبيلة‭ ‬الرميلي‭ (‬عمدة‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬الكبرى‭ ‬والقيادية‭ ‬في‭ ‬حزب‭ ‬التجمع‭ ‬الوطني‭ ‬للأحرار‭).‬

مريم‭ ‬بنصالح‭ ‬شقرون‭ (‬أبرز‭ ‬وجوه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والأعمال‭ ‬وأول‭ ‬امرأة‭ ‬ترأس‭ ‬الاتحاد‭ ‬العام‭ ‬لمقاولات‭ ‬المغرب‭).‬

أمينة‭ ‬بنخضراء‭ (‬الوزيرة‭ ‬السابقة‭ ‬والقيادية‭ ‬السياسية‭ ‬البارزة‭).‬

أما‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الخليجي،‭ ‬فقد‭ ‬خطت‭ ‬المرأة‭ ‬خطوات‭ ‬مشهودة‭ ‬ومتقدمة‭ ‬للغاية،‭ ‬وأثبتت‭ ‬جدارتها‭ ‬كطبيبة،‭ ‬وقاضية،‭ ‬ووزيرة،‭ ‬ومعلمة،‭ ‬وبرلمانية‭.‬

ونذكر،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر‭: ‬النائبة‭ ‬طيبة‭ ‬المعولي‭ (‬سلطنة‭ ‬عُمان‭)‬،‭ ‬والدكتورة‭ ‬هند‭ ‬بنت‭ ‬خثيلة‭ (‬مجلس‭ ‬الشورى‭ ‬السعودي‭)‬،‭ ‬والدكتورة‭ ‬معصومة‭ ‬المبارك‭ (‬النائبة‭ ‬والوزيرة‭ ‬السابقة‭ ‬في‭ ‬الكويت‭)‬،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬نماذج‭ ‬مشرفة‭ ‬عديدة‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬حققته‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬منطقتنا‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭ ‬يبعث‭ ‬على‭ ‬الفخر‭ ‬والاعتزاز‭ ‬ويستحق‭ ‬أسمى‭ ‬عبارات‭ ‬التقدير‭.‬

‭< ‬ما‭ ‬الأولويات‭ ‬الضرورية‭ ‬لإصلاح‭ ‬المنظومة‭ ‬الحقوقية‭ ‬عربياً،‭ ‬وما‭ ‬رسالتكم‭ ‬إلى‭ ‬الشباب‭ ‬المطالب‭ ‬بالحرية‭ ‬والعدالة؟

‭> ‬تتمثل‭ ‬الأولوية‭ ‬القصوى‭ ‬لإصلاح‭ ‬المنظومة‭ ‬الحقوقية‭ ‬عربياً‭ ‬في‭ ‬إدراك‭ ‬الأنظمة‭ ‬السياسية‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬الحقوقي‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬خصومة‭ ‬مع‭ ‬الدولة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬دعامة‭ ‬أساسية‭ ‬لحمايتها‭ ‬وتعزيز‭ ‬مكانتها‭ ‬الدولية‭.‬

فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬حين‭ ‬أسستُ‭ ‬عام‭ ‬2000‭ ‬أول‭ ‬منظمة‭ ‬لمراقبة‭ ‬الانتخابات،‭ ‬‮«‬لجنة‭ ‬نزاهة‭ ‬الانتخابات‮»‬،‭ ‬وطالبتُ‭ ‬بوجود‭ ‬مراقبين‭ ‬دوليين،‭ ‬قوبل‭ ‬الطرح‭ ‬برفض‭ ‬بدعوى‭ ‬‮«‬السيادة‮»‬‭.‬

وقد‭ ‬أثبت‭ ‬التطور‭ ‬اللاحق‭ ‬أن‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬الرقابة‭ ‬الدولية‭ ‬يعزز‭ ‬مصداقية‭ ‬الانتخابات‭ ‬ويكسب‭ ‬الدول‭ ‬احتراماً‭ ‬دولياً‭ ‬متزايداً‭.‬

أما‭ ‬رسالتي‭ ‬إلى‭ ‬الشباب‭ ‬المطالب‭ ‬بالحرية‭ ‬والعدالة،‭ ‬فهي‭:‬

الوعي‭ ‬والحيطة‭: ‬الحذر‭ ‬التام‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬أجندات‭ ‬خارجية‭ ‬تسعى‭ ‬لاستغلال‭ ‬التحولات‭ ‬الداخلية‭ ‬لتحقيق‭ ‬مصالح‭ ‬ضيقة‭.‬

السلمية‭: ‬التمسك‭ ‬المطلق‭ ‬بالطرق‭ ‬السلمية‭ ‬والمشروعة‭ ‬في‭ ‬الاحتجاج‭ ‬والتعبير،‭ ‬والابتعاد‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬ممارسات‭ ‬عنف‭ ‬قد‭ ‬تسلب‭ ‬قضاياهم‭ ‬العادلة‭ ‬مشروعيتها‭.‬

إدارة‭ ‬التغيير‭ ‬بذكاء‭: ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬قوى‭ ‬الشد‭ ‬العكسي‭ ‬والمستفيدين‭ ‬من‭ ‬الوضع‭ ‬الراهن‭ ‬سيقاومون‭ ‬أي‭ ‬تغيير،‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬الوعي‭ ‬بالديناميكيات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬يظل‭ ‬الضمانة‭ ‬الأهم‭ ‬لتفادي‭ ‬الصدامات‭ ‬وتحقيق‭ ‬التطلعات‭ ‬بحرية‭ ‬وعدالة‭ ‬وسلمية‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق