سياسة

بين شعارات «حسن النية» وواقع التأشيرات:

رسائل فيليبي السادس من مليلية المحتلة على محك المعاناة اليومية للساكنة

يحيى‭ ‬بالي‭ – ‬طنجة

​في‭ ‬محطة‭ ‬جديدة‭ ‬تتسم‭ ‬بالحساسية‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬المغربية‭ ‬الإسبانية،‭ ‬اختتم‭ ‬العاهل‭ ‬الإسباني‭ ‬فيليبي‭ ‬السادس‭ ‬زيارته‭ ‬الميدانية‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬مليلية‭ ‬المحتلة،‭ ‬المحاذية‭ ‬لمدينة‭ ‬الناظور،‭ ‬وذلك‭ ‬عقب‭ ‬زيارة‭ ‬مماثلة‭ ‬لثغر‭ ‬سبتة‭ ‬المحتل‭. ‬وهي‭ ‬الزيارة‭ ‬التي‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬ظرفية‭ ‬تتسم‭ ‬بدقة‭ ‬التوازنات‭ ‬الثنائية‭ ‬والتأكيد‭ ‬المستمر‭ ‬على‭ ‬خارطة‭ ‬الطريق‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬الرباط‭ ‬ومدريد‭.‬

​خطاب‭ ‬‮«‬حسن‭ ‬النية‮»‬‭: ‬محاولة‭ ‬للتوفيق‭ ‬بين‭ ‬الرسائل‭ ‬الموجهة

​خلال‭ ‬كلمته‭ ‬التي‭ ‬ألقاها‭ ‬في‭ ‬ختام‭ ‬زيارته‭ ‬لمدينة‭ ‬مليلية،‭ ‬حرص‭ ‬العاهل‭ ‬الإسباني‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬رسائل‭ ‬متوازنة‭ ‬شدد‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬إسبانيا‭ ‬والمغرب‭ ‬‮«‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يحرصا‭ ‬دائماً‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬علاقات‭ ‬حسن‭ ‬الجوار‭ ‬والحفاظ‭ ‬عليها‮»‬،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬المستقبل‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتأسس‭ ‬على‭ ‬‮«‬المصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬والسلام‭ ‬والأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬والتعاون‮»‬‭.‬

​وأضاف‭ ‬فيليبي‭ ‬السادس‭ ‬أن‭ ‬تحقيق‭ ‬هذه‭ ‬الأهداف‭ ‬‮«‬يتطلب‭ ‬الثقة‭ ‬والمسؤولية‭ ‬القائمتين‭ ‬على‭ ‬حسن‭ ‬النية‮»‬،‭ ‬داعياً‭ ‬الطرفين‭ ‬إلى‭ ‬الانخراط‭ ‬الفعلي‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬لضمان‭ ‬استدامة‭ ‬الشراكة‭ ‬الإقليمية‭.‬

​معاناة‭ ‬ميدانية‭ ‬تستوجب‭ ‬التعامل‭ ‬بالمثل

​في‭ ‬المقابل،‭ ‬يطفو‭ ‬على‭ ‬السطح‭ ‬واقع‭ ‬ميداني‭ ‬يناقض‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات‭ ‬الرسمية‭ ‬بالنسبة‭ ‬لساكنة‭ ‬جهة‭ ‬الشرق؛‭ ‬إذ‭ ‬وثق‭ ‬مواطنون‭ ‬وفاعلون‭ ‬حالات‭ ‬مختلفة‭ ‬قررت‭ ‬فيها‭ ‬القنصلية‭ ‬العامة‭ ‬لإسبانيا‭ ‬بمدينة‭ ‬الناظور‭ ‬الرفض‭ ‬المفاجئ‭ ‬لمنح‭ ‬التأشيرات‭ (‬شنغن‭) ‬دون‭ ‬توضيحات‭ ‬مقنعة‭ ‬وبشكل‭ ‬يتسم‭ ‬بالمزاجية‭.‬

​وتشتكي‭ ‬الساكنة‭ ‬الواقعة‭ ‬تحت‭ ‬نفوذ‭ ‬هذه‭ ‬القنصلية‭ ‬مما‭ ‬تعتبره‭ ‬غياباً‭ ‬صريحاً‭ ‬لـ»حسن‭ ‬النية‮»‬‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬القنصلي‭ ‬اليومي،‭ ‬جراء‭ ‬تسجيل‭ ‬معدلات‭ ‬قياسية‭ ‬في‭ ‬رفض‭ ‬طلبات‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬التأشيرة،‭ ‬رغم‭ ‬إرفاقها‭ ‬بملفات‭ ‬متكاملة‭ ‬الشروط‭. ‬وهو‭ ‬المعطى‭ ‬الذي‭ ‬يراه‭ ‬مراقبون‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬فجوة‭ ‬قائمة‭ ‬بين‭ ‬الخطاب‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬رفيع‭ ‬المستوى‭ ‬والسياسات‭ ‬القنصلية‭ ‬التي‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬تقييد‭ ‬حركة‭ ‬المواطنين‭ ‬وتعمق‭ ‬حالة‭ ‬الإحباط‭ ‬لدى‭ ‬ساكنة‭ ‬المناطق‭ ‬المتاخمة‭ ‬لمليلية‭ ‬المحتلة‭.‬

​أبعاد‭ ‬تحليلية‭ ‬ودلالات‭ ‬تقاطع‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬بالواقع

​تكتسي‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬أبعاداً‭ ‬تحليلية‭ ‬تتصل‭ ‬بالوضع‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي‭:‬

​السياق‭ ‬الإقليمي‭ ‬والسيادي‭: ‬تأتي‭ ‬زيارة‭ ‬مليلية‭ ‬المحتلة‭ ‬لتأكيد‭ ‬الرؤية‭ ‬الإسبانية‭ ‬تجاه‭ ‬الثغرين‭ ‬المحتلين،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬تمسك‭ ‬المغرب‭ ‬بموقفه‭ ‬الثابت‭ ‬والتاريخي‭ ‬حول‭ ‬مغربية‭ ‬المدينتين‭ ‬باعتبارهما‭ ‬أجزاءً‭ ‬لا‭ ‬تتجزأ‭ ‬من‭ ‬ترابه‭ ‬الوطني‭.‬

​الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الخطاب‭ ‬والممارسة‭: ‬تظهر‭ ‬شكاوى‭ ‬ملف‭ ‬التأشيرات‭ ‬بقنصلية‭ ‬الناظور‭ ‬أن‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬حسن‭ ‬النية‮»‬‭ ‬يظل‭ ‬غير‭ ‬مكتمل‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬ينعكس‭ ‬إيجابياً‭ ‬على‭ ‬التسهيلات‭ ‬القنصلية‭ ‬وحرية‭ ‬التنقل‭ ‬والتبادل‭ ‬الإنساني‭ ‬والثقافي‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭.‬

​التأثير‭ ‬على‭ ‬علاقات‭ ‬الجوار‭: ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الحرص‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬على‭ ‬التعاون‭ ‬الأمني‭ ‬ومكافحة‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية،‭ ‬فإن‭ ‬التضييق‭ ‬القنصلي‭ ‬يشكل‭ ‬نقطة‭ ‬إجهاد‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬حسن‭ ‬الجوار‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الشعبي‭ ‬والمحلي‭.‬

​المستقبل‭ ‬الثنائي‭: ‬التزام‭ ‬مشروط‭ ‬بالواقع

​تضع‭ ‬تصريحات‭ ‬الملك‭ ‬فيليبي‭ ‬السادس‭ ‬العلاقات‭ ‬المغربية‭ ‬الإسبانية‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي‭ ‬لتجسيد‭ ‬العناوين‭ ‬العريضة‭ ‬للتعاون‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭. ‬فبينما‭ ‬تسعى‭ ‬الرباط‭ ‬ومدريد‭ ‬لتجاوز‭ ‬التباينات‭ ‬التاريخية‭ ‬عبر‭ ‬بوابات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والأمن،‭ ‬يظل‭ ‬الرهان‭ ‬الأكبر‭ ‬هو‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬الجهاز‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬والقنصلي‭ ‬الإسباني‭ ‬على‭ ‬ترجمة‭ ‬شعارات‭ ‬‮«‬الثقة‭ ‬وحسن‭ ‬النية‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬إجابات‭ ‬ملموسة‭ ‬تُنهي‭ ‬تعقيدات‭ ‬التأشيرة‭ ‬وتصون‭ ‬كرامة‭ ‬المواطنين‭ ‬والتواصل‭ ‬الإنساني‭ ‬بين‭ ‬ضفتي‭ ‬الحدود‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق