ثقافة وفن

كاملة محمود الصيداوي.. ما وراء الصور والكلمات

عبد الحي كريط

لا تكمن قيمة هذه الأعمال في طرح أسئلة الوجود أو الحب أو الفقد، فهذه أسئلة رافقت الأدب منذ بداياته، بل في الكيفية التي تتجسد بها داخل اللغة

لا تكشف الكتابة عن الإنسان من خلال ما يقوله فقط، بل أيضاً من خلال ما يعجز عن قوله كاملاً. ففي المسافة بين التجربة كما يعيشها المرء والتجربة حين تتحول إلى نص، تتشكل أسئلة الأدب، وتظهر قدرة الكاتب على تحويل الخاص إلى معنى يتجاوز صاحبه. وفي نصوص كاملة محمود الصيداوي، ينتقل القارئ بين الخوف من الفقد، والقلق من الانهيار، والرغبة في الاقتراب من الآخر، دون أن تستقر التجربة عند إحساس واحد.

في «ما قاله الظل للريح»، تبدو عبارة «طوبى لمن» مدخلاً إلى عالم تتنازع فيه الأشياء بين البقاء والزوال. الاسم الذي يُكتب على الماء مهدد بالمحو، والنافذة المنحوتة في الصخر تقاوم الزمن، والصمت الذي يُزرع كالرمان يكتسب حياة تتجاوز دلالته المألوفة. الماء يحمل الاسم ولا يحفظه، والصخر يقاوم التبدد، والصمت يتحول إلى شيء قابل للنمو.

تتجاور هذه الصور حول سؤال الأثر: ماذا يستطيع الإنسان أن يترك خلفه حين لا يملك السيطرة على الزمن؟ وحين يصبح الرماد والعظام مادة للقصيدة، لا تعود الكتابة مجرد تسجيل لما حدث، بل محاولة لاستنطاق ما تبقى بعد الغياب.

غير أن المخيلة الشعرية لا تكسب الرهان بمجرد كثافة الصور. فالصورة تحتاج إلى مساحة كي تستقر، وإلى علاقة داخلية تجعل الانتقال بينها ضرورة فنية، لا استعراضاً للقدرة على المجاز. وفي بعض المواضع، تتراكم الاستعارات بسرعة، فتحد إحداها من أثر الأخرى. وكان يمكن لبعض الصور أن تترك أثراً أعمق لو أُتيح لها مجال أوسع، من دون أن تتبعها صورة أخرى تنافسها على انتباه القارئ.

في «تأجيل السقوط»، تنتقل الكتابة إلى فضاء نفسي مضطرب، تتغير فيه علاقة الإنسان بأشيائه اليومية. الساعة التي تتحول إلى مقصلة، والمقص، والحذاء المائل، وبقايا القهوة، والثلاجة المفتوحة، ليست مجرد تفاصيل في المكان؛ إنها عناصر في مشهد تتراجع فيه الطمأنينة تدريجياً، ويفقد العالم المألوف قدرته على منح صاحبه الشعور بالأمان.

لا تقيس الساعة الزمن فحسب، بل تجعله قوة تستنزف ما بقي من المودة. أما المدينة التي تظهر كمعرض للخيبات، فتوسع التجربة الفردية وتخرج بها من حدود الغرفة إلى فضاء عام لا يقل اغتراباً. هكذا يحدث السقوط قبل أن يكتمل: تآكل داخلي يجعل الأشياء التي اعتاد الإنسان الاتكاء عليها أقل ثباتاً مما كانت عليه.

وتكتسب الثلاجة المفتوحة دلالتها من بساطتها؛ ففي عالم مضطرب، تصبح البرودة حقيقة لا تحتاج إلى تفسير. لكن حين تتحول معظم التفاصيل إلى رموز، يتراجع المجال المتاح للقارئ كي يكتشف المعنى بنفسه. فبعض الانهيارات لا تحتاج إلى علامات صاخبة، وقد يكون التفصيل العادي أكثر إيلاماً حين يُترك على طبيعته.

أما العنوان، «تأجيل السقوط»، فيختصر حالة التعليق بين الانهيار والنجاة. فالتأجيل لا يعني تجاوز الخطر، بل مواصلة الحياة مع الإحساس بأن ما يستند إليه الإنسان لم يعد متيناً كما كان. إنه لا يسقط تماماً ولا يستعيد توازنه؛ يبقى معلقاً بين صورة يعرفها عن نفسه وأخرى يخشى مواجهتها. ومن هنا تنبع الحمولة النفسية للنص: ليس الانهيار وحده ما ينهك الإنسان، بل انتظاره أيضاً.

في «من بريد السماء»، يتغير الإيقاع، وتظهر علاقة الحب بوصفها مساحة للتقارب واللعب، لا مجرد ملاذ من الألم. الصمت هنا ليس عجزاً عن الكلام، والمشاكسة ليست نقيض الحميمية. أما الفارس البابلي، فيدخل النص بهيبة تاريخية، قبل أن تتكشف إمكانية أخرى للعلاقة، حين يتخلى عن صورته الصارمة ويخلع تاجه ليشارك في لعبة عاطفية.

في هذه الحركة من الفارس إلى الطفل، يبرز سؤال القوة داخل العلاقة: هل يستطيع الإنسان أن يحب دون أن يحتمي دائماً بما بناه حول نفسه من صور الهيبة والسيطرة؟ يبدو أن التنازل عن التاج لا يعني خسارة المكانة، بل التخلي عن الحاجة إلى الانتصار في علاقة لا ينبغي أن تتحول إلى معركة لإثبات من يملك الكلمة الأخيرة.

ومع ذلك، لا تكفي حرارة التعبير العاطفي وحدها لمنح النص فرادته. ففي بعض اللحظات، تقترب الصور من المبالغة الوجدانية، وتصبح الرغبة في تكثيف الحميمية أقوى من الحاجة إلى ابتكار تفصيل يكشفها بصورة خاصة. وربما كان مشهد صغير أو حركة عابرة كافياً لقول ما تحاول العبارة شرحه؛ فالحب، مثل الألم، لا يحتاج دائماً إلى إعلان شدته.

وعلى اختلاف هذه النصوص، فإنها تلتقي عند أشكال متباينة من مواجهة الهشاشة: الخوف من أن يمحو الزمن الأثر، والقلق من انهيار العالم المألوف، والاستعداد للتخلي عن بعض الحصون الشخصية في سبيل الاقتراب من الآخر. غير أن هذا التقاطع لا يلغي خصوصية كل تجربة، ولا يجعل الحزن والحب والفقد وجوهاً متطابقة لحالة واحدة.

وتحضر التجربة الفلسطينية في خلفية القراءة بوصفها سياقاً لا يمكن تجاهله عند التفكير في الذاكرة والغياب والخسارة، لكن اختزال كل صورة في هذا السياق يحجب ما في النصوص من أسئلة شخصية وإنسانية. فالكاتب الفلسطيني ليس مطالباً بأن يكتب عن وطنه في كل سطر، كما أن التجربة الفردية لا تنفصل بالضرورة عن التاريخ الذي تشكلت داخله. وقد يظهر الفقد في صورة رماد وعظام، أو في غرفة فقدت أشياؤها قدرتها على الطمأنة، أو في رغبة بسيطة في البقاء قرب شخص نحبه. وبين هذه المستويات ينبغي للنقد أن يحافظ على المسافة التي تتيح له قراءة النص، لا استبداله بتفسير جاهز.

لا تكمن قيمة هذه الأعمال في طرح أسئلة الوجود أو الحب أو الفقد، فهذه أسئلة رافقت الأدب منذ بداياته، بل في الكيفية التي تتجسد بها داخل اللغة. فالصورة الشعرية لا تصبح مؤثرة لمجرد غرابتها، وإنما حين تتجاوز وظيفتها التزيينية وتغدو جزءاً لا يمكن الاستغناء عنه من التجربة. وفي نصوص كاملة محمود الصيداوي، تنجح بعض الصور في فتح أفق يتجاوز العبارة، بينما تحتاج صور أخرى إلى مزيد من الاقتصاد، وتقول بعض التفاصيل اليومية أكثر مما تقوله العبارات التي تشرحها.

هذا التفاوت لا ينتقص من التجربة، بل يتيح قراءتها بعيداً عن المجاملة أو الأحكام المطلقة. فالإنصاف النقدي لا يعني المساواة بين مواضع القوة والضعف، كما أن الإشارة إلى التعثر لا تلغي ما يحققه النص من أثر. النقد الجاد هو الذي يقترب من العمل بما يكفي ليرى ما أنجزه، وما كان يمكن أن ينجزه بصورة مختلفة.

لا تقدم هذه الكتابة خلاصاً من الفقد، ولا تعد باستعادة عالم اختل توازنه. لكنها، في أفضل لحظاتها، تدفعنا إلى النظر من جديد إلى ما نظن أننا نعرفه: اسم قد يمحوه الماء، وساعة لا تعود محايدة، وفارس يخلع تاجه كي يقترب ممن يحب. عند هذه التفاصيل، تتراجع الحاجة إلى الحكمة الجاهزة، ويصبح الإصغاء إلى التجربة نفسها أكثر أهمية: إلى ما يتركه الإنسان خلفه، وما يخشى خسارته، وما يقبل التخلي عنه كي لا يبقى وحيداً داخل صورته عن نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق