
د. محمد بدوي مصطفى
ليست كل لوحة تستحوذ على ألباب المحبّين، أو لنقل تُعلّق على الجدار، مجرّد صورة نمرّ بها مرور الكرام؛ إذ إنّ بعض الأعمال الفنية، يا سادتي، تتبدّى أحيانا كنافذة إلى سرّ صعب المنال، أو توحي بأنها بوابة مفتوحة على عوالم لا تخطر على بال؛ عوالم غامضة، تائهة، بعيدة كالثريّا. بينما بعضها الآخر يترك في الروح تساؤلا لا تنجح ألوان القزح، مهما بلغت من فتنة وبهاء، في الإجابة عنه.
ومن بين هذه الأعمال تبرز لوحة نادرة، فريدة وملهمة، هي «الصيف المشتعل» (Flaming June) للفنان الإنجليزي فريدريك ليتون، التي تبدو للوهلة الأولى كرنفالا يحتفي بجمال حواء؛ بيد أنك إن أطلت النظر والبصر، وأرجعتهما كرّتين، لانقلب إليك البصر هامسا بقصيدة صامتة عن رغبة البشر اللامتناهية في الاغتراف من معين الرغبة الجامحة، التي تفحّ منها، أغلب الظن، هشاشة إنسانية صامتة.
نجد في لبّ اللوحة حسناء غارقة في سِنَة ونوم عميقين، تتموضع بحلّتها الحوائية داخل ثوب برتقالي متوهّج، فتبدو وكأنها شعلة اختارت أن ترقد في صولجان من السناء والنورانية. يلتفّ جسدها كالحية التي أغوت آدم في جنّته، في حركة دائرية تكاد تجعل الثوب امتدادا له، أو تجعل الجسد نفسه جزءا من هارمونية اللون. مجهولة هي؟ أَنَعرف من تكون؟ ما الذي أنهكها وأثقل جفنيها؟ وهل تحلم، أم أنها استسلمت لغياب أبعد من النوم؟ إنها امرأة معلّقة بين عالمين؛ عالم اليقظة الذي تركته خلفها، وعالم مجهول عالم مجهول «ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة»، وتضيق عن سبر أغواره مدارك ذوي الفطنة والمراس.
ما يستحوذ على اللبّ ويذهب بالعقل في هذه اللوحة ليس جمال المرأة فحسب، بل ذلك التناقض المدهش بين دفء البرتقالي المتوهّج وبرودة الأزرق الخجول الممتدّ في الخلفية بريشته الملوكية. وكأن ليتون أراد أن يضع النار في مواجهة البحر وأمواجه العارمة، أو الحياة المضطرمة في مواجهة السكينة، أو ربما الفتنة الهوجاء في مواجهة الفناء. وفوق رأس النائمة تستقر زهرة الأولياندر، بجمالها الأخّاذ وسمّيتها القاتلة، لتضيف إلى المشهد إيحاء آخر: فليس كل ما يفتن آمنا، وليس كل جمال وعدا بحب سرمديّ. تذكرني برقصة باليه تشايكوفسكي شاهدتها في مسرح الأوبرا بمدينة ليون: «وكأن ليتون قد استعار من تشايكوفسكي موسيقى الحلم لجيزيل، لكنه آثر أن يتركها نائمة إلى الأبد في حضن اللون.»
ولعلّ سرّ هذه اللوحة يكمن في أنها ساكنة، صامتة و لا تحكي شيئا، إن جاز التعبير في هذا السياق، بل ولا تفرض على الناظر أقصوصة أو حدوتة أو أسطورة بعينها، لكنها تترك له حرية التأويل والتهليل والتجلّة، وتدعوه إلى أن يغترف من معين صمتها ما يختزنه من رغبات هوجاء ومخاوف نكراء وذكريات معلقة في الأفق. أهي صورة للراحة المطلقة؟ أم استعارة للموت الهادئ؟ أم تجسيد لذلك الجمال الذي لا يكتمل سحره إلا حين يصبح بعيدا عن متناول الفؤاد؟ وكأن الهائم يهمس بلسان حاله في فتنتها: «ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها – عقود مدح ولا أرضى لكم كلمِ).
رغم كل ذلك يا سادتي فأن لوحة «الصيف المشتعل» أثارت آراء متباينة؛ فمنهم من رأى فيها جمالا متكلّفا وافتتانا فارغا بالزخرفة، ومنهم من وجد فيها ذروة الإتقان الكلاسيكي وسيمفونية لونية نادرة و. لكن لعلّ قيمتها الحقيقية لا تكمن في حسم هذا الخلاف، بل في قدرتها على البقاء حيّة في الذاكرة، رغم مرور أكثر من قرن على إنجازها.
إنها لوحة لا تصرخ أمامك كي تلفت الأنظار، ولا تحتاج إلى حكاية أو دعاية كي تبرّر وجودها. يكفيها جسد نائم، وثوب مشتعل، وزهرة سامّة، وبحر متلاطم في تؤدة، يمّ لا شطء له. ويكفيها أن تذكّرنا بأن الجمال، في أكثر لحظاته اكتمالا، قد يكون أشبه بالنوم على حافة الغياب؛ فاتنا، غامضا، وربما خطرا أيضا. ولله في خلقه شؤون.



