خارج الحدود

إحياء إرث العثمانيين من خلال آيا صوفيا

رمز التعايش والتمازج الحضاري بين الإسلام والمسيحية

عبد الحي كريط

كان يوما مشهودا اشرأبت لها الأعناق وكشفت القناع على الازدواجية المعيارية التي أسقطت ورقة التوت على العديد من الأنظمة العربية خاصة بعض الخليجية  منها , وبعض توابعها الإعلامية التي لم تهدأ في خلط الأوراق, ولبوسها بلباس حقوقي وديني من أجل تطويع هذا الحدث الذي زلزل أركان النفاق العالمي, الذي يتباكى على تحويل اية صوفيا إلى مسجد, ونسي أو تناسى أن مساجد إسبانيا حولت إلى كنائس ومتاحف والتي تعتبر إرثا إسلاميا أيبيريا, دموع التماسيح التي أذرفها اشباه المتعلمنين العرب تدل بشكل قاطع لا لبس فيه أن هؤلاء خارجين عن دائرة الواقع والتاريخ فتركيا حولت كنسية من معبد مسيحي إلى معبد إسلامي ولم تهدمها أو تحرقها أوتطمس معالمها  في فترة تاريخية حساسة ومفصلية كانت فيها منظومة العلاقات الدولية مبنية على عدة معطيات وأسس وكان العثمانيين كغيرهم من الإمبراطوريات والدول الإسلامية التي سبقتها تحترم الأديان والمعابد من كل الملل والنحل فلم تهدم كنيسة ولم تضطهد طائفة في منع إقامة شعائرها الدينية بل على العكس من ذلك فعندما دخل السلطان محمد الفاتح الى القسطنطينية  والذي  بشر به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح والمشهور بمسند الإمام أحمدلتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش “وجدها ممزقة اجتماعيا وحضاريا وقام بشراء ايا صوفيا بدون اي إكراه أو جبر أو قهر بل ان رهبان القسطنطينية استبشروا بهذا الفتح الحضاري لمدينتهم واطمأنوا له وقام السلطان الفاتح بإضافة أربع مآذن على الطراز العثماني وخط عربي بأسماء الله الحسنى ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأسماء الخلفاء الراشدين دون أن يمسح أو يطمس الرسومات والأيقونات داخل ايا صوفيا في تمازج ديني وحضاري فريد من نوعه في ذلك الزمان , وهذا يدل على كونية الاسلام وحضارته الانسانية التي تحوي داخل بوثقتها على العديد من الروافد الثقافية والحضارية .

للمؤرخ الإنجليزي البارز ستيفين رونسيمان a history of the Crusades وكتاب   وهو من أهم الكتب والمصادر التاريخية الموثوقة والموضوعية التي تتناول فترة الحملات الصليبية بالعصور الوسطى وكشفت أن آيا صوفيا كانت مستباحة من قبل الكاثوليك حيث عاثوا فيها فسادا وتقتيلا ولم يحترموا حتى الصليب ولا الكتب المقدسة للطائفة المسيحية الأرثوذكسية بل وصل الأمر إلى اغتصاب الراهبات داخل اديرتهم دون أي اعتراض من الفاتيكان وهؤلاء كانوا نفس القوات التي دخلت إلى بيت المقدس ودنسوا المقدسات الإسلامية والمسيحية واستباحوا دماء أهلها دون تمييز.

ويعتبر فتح القسطنطينية من أهم أحداث التاريخ العالمي وخصوصًا تاريخ أوروبا وعلاقتها بالإسلام حتى عده المؤرخون الأوروبيون ومن تابعهم نهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة.

ففتح القسطنطينية هو نتيجة جهود تراكمية قام بها المسلمون منذ العصور الأولى للإسلام رغبة من تلك الأجيال في تحقيق بشارة رسول الله، وزاد الاهتمام بفتح القسطنطينية مع ظهور دولة بني عثمان اذ تحقق وعد الله تعالى على يدهم لتصبح تلك المدينة العظيمة دار الإسلام وإلى يومنا هذا بل يمكن القول إن آيا صوفيا رجعت إلى حضنها الطبيعي حيث أشار الرسول صلى الله عليه وسلم في رسالته إلى ملك القسطنطينية آنذاك هرقل إلى الارسييين نسبة إلى آريوس مؤسس المذهب الاريوسي . الموحد الذي خاض معركة شرسة ضد عقيدة التثليث الوثنية التي تسللت إلى المسيحية

وكان قرار المحكمة الأخير بفتح آيا صوفيا للعبادة وتسليم إدارتها لوزارة الشؤون الدينية وهو قرار يلغي مرسوم مجلس الوزارة لعام 1934 الذي بموجبه حولت آيا صوفيا إلى متحف في عهد أتاتورك و قد تم تأكيد في منطوق الحكم القضائي أن المسجد كان في ملكية السلطان محمد الفاتح وقرر أنه سيكون وقفا اسلاميا دينيا يحظر عليه أي تغيير وكان الإعلان عن كونه متحفًا في عهد أتاتورك غير قانوني.    

وتبنى الرئيس رجب طيب أردوغان قرار المحكمة وأصدر أمرا تنفيذيا بفتح آيا صوفيا للعبادة والصلاة باعتباره وقفا إسلاميا، وقرار المحكمة كان بمثابة تصحيح لظلم تاريخي وقع على معلمة تعتبر إرثا ثقافيا وحضاريا وفنيا للأمة التركية العثمانية بشكل خاص وللامة الاسلامية بشكل عام.

في الواقع آيا صوفيا ليس مجرد مسجد تم تحويله إلى متحف ولكنه رمز لفترة الفتوحات الإسلامية وأمة كانت سيوفها تسترشد بالدين والأخلاق وكان مثالاً لأمة بدأت بفتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح وانتهت على يد القوى الاستعمارية التي أجبرت أتاتورك على تحويل المسجد إلى متحف  فإعادة هذا الصرح إلى مكانته القانونية كمسجد يعني أن مرحلة النصر الاستعماري الغربي للأناضول قد انتهت.

ولقد أثار نجم الدين أربكان هذه المشاعر خلال حملته الانتخابية عام 1996، لكن بصفته رئيس وزراء تركيا (1996-1997)، وجد أن الأمر ليس سهلاً لأنه سيقلب الغرب ضد بلاده علاوة على ذلك، اتهمه الجيش العلماني القوي بـ انتهاك الفصل بين الدولة والدين وأجبره على الخروج من الحياة السياسية. 

ومع ذلك فإن بروز أردوغان سوآءا اتفقنا أو اختلفنا معه الى رئاسة الوزراء والان في الرئاسة   أصبحت تركيا قوة دولية وإقليمية رئيسية في عهده يحسب لها الف حساب، لقد كان قادرا على تحقيق حلمه, تصريحاته في مقابلة مع صحيفة كويتية في عام 1994 عندما كان عمدة اسطنبول تم تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرا, وقال بعد ذلك انه سعيد الوجه العثماني الى اسطنبول ويعيد ايا صوفيا الى وضعها الطبيعي كمسجد , لقد أوفى أردوغان بوعده حتى خصومه  السياسيون وزملاؤه السابقون دعموا خطوة تحويل ايا صوفيا الى مسجد، وقال رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو ان الحلم المنتظر أصبح حقيقية وهنأ البلاد على استعادة وضع آيا صوفيا كمسجد كرمز لانتهاء الوصاية الدولية على هذا الصرح الذي يعتبر ضمن السيادة التركية.

غرد الرئيس التركي السابق عبد الله جول الذي لديه أيضًا خلافات مع أردوغان رسالة تهنئة على اعادة فتح أيا صوفيا للعبادة وقال ان هذا القرار التاريخي يسعد الشعب التركي وشكر وهنأ جميع المشاركين في القرار.

وأشار محرم انسي الزعيم السابق لحزب الشعب العلماني الذي وقف ضد أردوغان في الانتخابات الرئاسية، حيث غرد على تويتر الى ان قضية أيا صوفيا هي مسألة سيادة تركية ولا روسيا ولا الولايات المتحدة ولا أوروبا ولا اليونان ولا أي دولة أخرى لا يحق لها التدخل في مؤسساتنا وقراراتنا السيادية.

الاستياء الغربي والعربي لقرار إرجاع آيا صوفيا إلى مكانته القانونية كمسجد  كشف لنا عن نفاق بعض المنظمات الدولية كمنظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة والتي تغض الطرف عن الإجراءات الإسرائيلية ضد المسجد الأقصى وتهويدها للمقدسات الاسلامية والمسيحية بالقدس، علما ان الرئيس أردوغان أكد أنه لن يتم إغلاق مسجد آيا صوفيا في وجه غير المسلمين بل ستبقى مفتوحة أيضا للجميع كمعلم تركي إسلامي وحضاري إنساني رئيسي وكعامل جذب سياحي مثل المساجد الأخرى في درة الأناضول اسطنبول. 

من الواضح أننا نعيش في عالم يرى الأمور من زوايا أنبوبية ضيقة فمن خلال تشريح بسيط لسيكولوجية النفاق الدولي فهو مثلا لا يعترض على تحول الجامع الكبير في قرطبة إلى كنيسة وتحويل جامع الخيرالدا في إشبيلية إلى كاتدرائية وتحويل جميع مساجد غرناطة إلى كنائس وكاتدرائيات علما ان هذه الأخير كانت ستبقى مساجد بمقتضى معاهدة تسليم المدينة إلى القوات القشتالية في عهد إيزابيل الكاثوليكية وزوجها فرناندو اﻷراغوني واللذان  نقضا المعاهدة حيث قامت بتحويل جميع المباني والصروح الاسلامية بغرناطة الى كنائس واسطبلات للخيول والخنازير وقامت بعد ذلك بعملية تطهير عرقي وثقافي وديني بشبه الجزيرة  الايبيرية للتخلص من الموريسكيين في جميع أنحاء البلاد , على اثر ذلك تم تحويل أغلب هذه المساجد الى كنائس وكاتدرائيات بالقوة والحديد والنار , وليس عن طريق البيع والشراء والذي يشترط فيها التراضي , وهذا هو الحال مع اياا صوفيا بعد فتح القسطنطينية ’ وهناك العديد من المساجد في العالم تم تحويلها الى كنائس وحانات ومراقص بل وحتى حظائر للحيوانات في معظم دول أوروبا الشرقية وروسيا وهي نفس سياسية الكيان الاسرائيلي الصهيوني بفلسطين المحتلة.

آيا صوفيا لها رمزية جد عميقة في قلب الهوية الوطنية التركية وفي قلب الهوية الاسلامية والمسيحية على حد سواء لأنها تشكل جسرا ثقافيا وحضاريا بين ديانتين، حيث يعد قرار استعادة هذا الصرح العظيم الى وضعه السابق كمسجد، خطوة تاريخية مهمة لها دلالتها السيميائية والتي تعيد ربط ذاكرة تركيا الحديثة بإرث العثمانيين التي كانت امبراطورية إسلامية عظيمة حمت بيضة الاسلام على مدى ستة قرون.   

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق