مجتمع

ذكريات وزير

مجاعة سنة ستة

د. محمد بدوي مصطفى

في عام سنة هجري ١٣٠٦ الموافق (١٨٨٩) كان أبي الفكي الشيخ وزوجته حليمة المليسة يسكنون ديم قيوم (الأبيض). فكنت أنا في صغري وصباي أذهب إليهما فأتوه في حياة الذكر والورع وليالي القرآن بالخلوة التي كانت تعجّ بالحيران ونار القرآن وتلاوته التي تنبثق من قلبها بأصوات متباينة ليل نهار. في إحدى أيام ذاك العام المشهود – الذي انطبع في ذاكرة أهل السودان – جئت من بيتنا خلل السكون الملائكيّ المخيم على عروس الرمال فوجدت أبي الفكي الشيخ وقد تفتحت أساريره وكان في غاية السرور والغبطة إذ أن المكان قد امتلأ عن بكرة أبيه بالضيوف وبطلاب العلم وابناء السبيل الذين أتوا من كل فجّ عميق ينهلون من منابع علمه. كانت التكيّته وقتئذ مليئة بالخدم والنساء اللائي يقمن بعمل العصيدة والأملحة المختلفة والعسل والسمن ويحملنها أمام الفقراء والضيوف في قدور كبيرة ينوء بحملها ذوي العصبة أولو القوة. في إحدى الأيام من أيّام الجمعة المليئة بالزوار والضيوف الذين لم ينفكوا عن زيارة الشيخ دون انقطاع، وفي خضمّ ودربكة وزحمة العمل في مطبخ التكية الذي انبعثت منه الحرارة مختلطة بمختلف ألوان الروائح والمشويات الدسمة، تعبت إحدى الخدم اللائي يقمن بعمل التكيّة تدعى راجن الله. فلما بلغت شدّة غيظها وحنقها مالا تطيقه نفسها – بسبب تدفق الزوّار والمريدين – صارت تقطّب وجهها وتتكدر ملامحها في وجه الفكي الشيخ كلما دخل عليهن ليسأل عن زيادة الأكل والشرب لضيوفه ومريديه. فحينا اشتدّ بها وقع الغضب وطفح من روحها الغيظ الأعمى، بادرته قائلة: إنت ناسك الكتار ديل أنا بقدر أكفّيهم ليك!؟

أجابها بهدوء وسكينة وبصوت مؤمن حاسم: راجن الله تحدري ليّ؟ أصبري كان ما عيونك ديل يقعوا!

ففي جلساتي مع أبي مصطفى (نجل الفكي الشيخ) ذكر لي أن راجن الله أصابها الرمد بعد تلك الواقعة مع الفكي الشيخ وجحظت عيناها بصورة ملفتة للنظر حتى وقعت الواحدة تلو الأخرى.

ألفيّة اليَسُر

ذات يوم كان الفكي الشيخ في طريق السفر ومعه الألفيّة يَسُر ومخلايته؛ وفي أثناء السير افتقد المخلاية. فأمر الفكي الشيخ أحد حيرانه يدعى مولاو أن يرجع ويبحث عنها. ولما انسحب مولاو من الركب ورجع يتقصّى أثر المخلاية وجدها تتوسط أعشابا كثيفة ورقد في طويتها ثعبان أب درق (كوبرا) مطوي تربّع بداخلها دون اكتراث. حملها وعاد إلى حيث ينتظره الفكي الشيخ وبقية الحيران.

حينما لحق بالركب وقد جحظت عينيه من وطأة ما رأى، سأله الفكي الشيخ: أه يا مولاو لقيت فيها شنو؟

أجابه مولاو: والله يا سيدي لقيت فيها دبيب أب درق قدر ده (مشيرا بيديه على الطول)، ولمن أجي ماشي عليها يقيف على طولو وراسو واسنانو يضربن!! قلت ليهو أنا أرسلّني الفكي الشيخ ودي ألفيتو، قال لي “أمشي جيب المخلاية”. والله يا سيدي مما قلت ليهو كدي، بس الدبيب أل أل أل أل نزل وغرّب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق