مجتمع

بعيدا عن كورونا … قريبا من الإنسان!

ذة. فاطمة البوعناني أنفلوس

منذ سنوات حينما كنت أدرس بمدينة كولونيا الألمانية حدث معي أمر غريب لم أستطع نسيانه حتى هذه اللحظة. 

في إحدى الحصص الدراسية الصباحية ونحن نستعد للاشتغال على شكل مجموعات، صرخت طالبة بولونية في وجه زميلة بالفصل قائلة “أنا لا أقبل أن أتعاون مع هذه السوداء الحقيرة”. 

كانت الطالبة البولونية شابة في الثلاثين، ترتدي فستانا قصيرا أزرق اللون، وكانت الطالبة المقصودة بالتنمر زميلة لنا من أصل صومالي في الستين من العمر ترتدي حجابا برتقالي اللون على الطريقة الصومالية.

كان كلام الشابة البولونية واضحا ومنمقا فقد كانت من أكثر الطلاب اجادة للغة الألمانية، وكانت السيدة الصومالية لا يكاد يسمع لتمتمتها صوت من شدة بكائها وضعفها في اللغة.

موقف مزلزل بالنسبة لي أن أرى سيدة عجوز بعمر والدتي بحجابها الوقور تهان بسبب بشرتها وأنا التي لو قررت أن ألحد يوما وأنكر الأديان كلها لمحوت كل فقهها وشرائعها وأبقيت منها جملة واحدة ” لا فرق بين أبيض وأسود إلا بالتقوى”.

راقبت الأمر مندهشة، لم تتدخل أستاذتنا الشابة الألمانية الأنيقة ولا أحد من الطلاب، بل كانوا يتحدثون الى الشابة البولونية وهم يبتسمون لها كأنهم يعبرون لها عن دعمهم.

خرجتُ إلى القاعة باتجاه الإدارة وأبديت للسكرتيرة رغبتي بمقابلة مديرة المؤسسة لسبب ضروري ومستعجل.

استغرق الأمر مدة ساعة تقريبا حتى جلست إليها وشرحت لها ما وقع وطلبت منها التدخل.

استدعت السيدة المديرة الطالبتين فسألت الشابة البولونية عما وقع فردت أنها لا تذكر التفاصيل وأنها تشعر بصداع وترغب في تدخين سيجارة.

وسألت السيدةُ المديرة السيدةَ الصومالية عما حصل وهنا كانت الصدمة، لقد ردت قائلة انها مسألة شخصية بينها وبين (س . أ ) وتقصد الطالبة البولونية ونعتتها بصديقتها وليس فقط زميلة، وطلبت منا عدم التدخل في شؤونها الخاصة. 

شعرتُ لأول مرة أن الأرض تدور وأن الحرارة ارتفعت رغم الثلج الذي يتراكم في الشوارع، وأن دماغي “العنب” توقف فجأة عن التفكير.

كانت علامات الاستغراب واضحة على ملامح السيدة المديرة، لكنها اكتفت بالقول: “على هذا الأساس نعتذر منك السيدة أنفلوس لا يمكننا اتخاذ أي اجراء رسمي وبهذا فالمسألة منتهية.”

لأيام بل لأسابيع لم أكن أتمكن من النوم بشكل مريح، كانت تتخاطفني أفكار وأسئلة لا تنتهي:

هل كنت مخطئة في تدخلي؟

لماذا تنازلت تلك السيدة عن حقها؟

هل هي مسكينة أم غبية؟ 

هل هذا ما يسمى بمتلازمة ستوكهولم في علم النفس (اي حين تتعاطف الضحية مع المجرم بسبب الخوف والارتباك)؟ 

ثم لماذا وقف كل الطلبة في صف الشابة البولونية مع أنهم من بلدان مختلفة؟ هل كان السبب أنهم كلهم من دول غربية تعتبر نفسها قوية بالمقارنة مع الصومال؟ 

بعد شهور وفي احدى حفلات الكريسمس بالمؤسسة سألت زميلة روسية بشكل عفوي مصطنع: لماذا لم تتدخلي يومها للوقوف الى جانب تلك السيدة الصومالية المسكينة؟ 

ردت عليّ بهدوء: أنا كنت مستغربة لماذا تدخلت أنتِ بالأمر؟ أنت لست سوداء ولا ترتدين حجابا مثلها، أنك لا تشبهينها ولم توجه صديقتنا البولونية أي شتيمة لك أنت، فلماذا انزعجت كل ذلك الانزعاج؟

وكررتْ على مسامعي ذلك اليوم تلك العبارة التي ظلت تتردد في أذني طوال الوقت: “نحن جميعا استغربنا من رد فعلك الغريب”. 

لقد كان رد فعلي على الموقف العنصري الذي حدث أمام عيني عفويا دون أدنى تفكير أو تخطيط، كان منسجما مع قيمي وقناعاتي وكنت أرى يومها صور جدي في ذاكرتي يربت على كتفي وهو يقول لي بنبرة حنونة “أنا فخور بك” غير أن تفكيري ظل مشغولا لشهور أو ربما لسنين بهذه الحكاية التي كادت تزعزع ايماني بوجوب الدفاع عن الضعفاء أو البؤساء، أو بمدى عفوية ردود أفعالنا ضد الظلم باعتبارنا جميعا – وهذا ما أومن به – باختلاف أدياننا وأجناسنا، مجبولون على حب الخير والعدالة.

لماذا تذكرت هذه الحكاية الان؟ بسبب سؤال خطير قفز إلى ذهني بعد تأمل طويل: هل يمكن أن يكون عدد كبير من الناس بالخصوص من يسكنون في الغرب تعرضوا لأدوية ولقاحات أثرت في قدرتهم العقلية والنفسية في الإحساس بالآخرين؟ 

إننا في كثير من الأحيان نصف الغرب بأنهم باردون، مثلا حين نرى برودهم العاطفي تجاه آبائهم وامهاتهم، أو حين نكون شهود عيان في مثل الحكاية التي بدأت بها مقالتي ولم تكن الوحيدة التي عايشتها هنا.

والسؤال الذي كان ينبغي طرحه هو: هل هم فعلا باردو العواطف بإرادتهم؟

لقد كان رد فعلي في الحكاية السابقة مقنعا على الأقل بالنسبة لي ولمن يشبهني في القيم والأفكار، غير أننا اذا حاولنا أن نرى هذا الأمر من زاوية أخرى فربما كنا سنتساءل: هل ننتظر من إنسان يرمي بأمه في دار المسنين ولا يسأل عنها إلا مرة واحدة في السنة أن يكون أكثر تعاطفا مع سيدة غريبة عنه لا تشبهه لا لونا ولا شكلا ولا لغة ولا دينا، أليس ما نطلبه كثيرا؟ 

إن مجرد اتهام الاخرين بالعنصرية ليس حلا حتى لو كان هذا ما يبدو عليه الأمر، بل لابد من فهم دوافع الناس لذلك، وبالرغم من قساوة الموقف الذي تعرضت له من وجهة نظري، الا أنني لا أرغب لا بمحاكمة أحد ولا بتبرئة أحد.

كل ما أسعى اليه طرح الأسئلة لفهم ما يحدث، لماذا يحدث؟

إذا كنا مجبولين على الخير – كما أعتقد أنا – فهل يعني ذلك أن الأشرار ليسوا أشرارا بإرادتهم؟ أم أن هناك درجة ما – بين الخير والشر؟

الخير فطرة والشر قرار وما بينهما هذه الفئة العريضة الغافلة أو التائهة. لكن هل هذا التوهان صدفة أم بفعل فاعل؟ هل تعرضت الفئة التائهة لأدوية أو لقاحات ما لتكون بهذا الشكل؟ لتكون كالربوتات كما يريد النظام؟ وتظل باردة المشاعر لا تشتاق لأم ولا تبكي لطفل تقتله المجاعة ولا تحرك فيه مواقف الظلم ساكنا؟ 

هل تعرضوا لعقاقير وتطعيمات ليكونوا باردين عاطفيا وجنسيا؟ إذا كانوا كذلك، فهل يحق لنا محاسبتهم على ما لا ليس لهم يد فيه؟ 

والان وقد بدأتَ أنتَ أيضا لأول مرة تشعر أن الأرض تدور، دعني أفاجئك بهذا السؤال: 

بما أن التلقيح القادم على الأبواب، هل سينتقل البرود -بكل أنواعه- للبلاد الساخنة؟! 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق