مجتمع

ختان الاناث في السودان: وقفات في ثقافتنا التقليدية

عبد الله عثمان التوم

لقد استقبلتا بارتياح مصفوفة حقوق المرأة والتي أعلنتها الحكومة الانتقالية السودانية، هذا الشهر، يوليو ٢٠٢٠.  حوت المصفوفة إعادة تجريم ختان الاناث وبصورة أقوي مما جادت به الحكومات السابقة منذ عهد الاستعمار.  لا أريد أن اكون محبطا للآمال ولكني اود ان الفت النظر الي عمق ممارسة ختان الاناث في ثقافة السودان وصعوبة انهائه.    

تعددت أنواع الختان فأسواه هو الختان الفرعوني وتأتي التسمية من أصله الفرعوني والذي يعود الى حوالي خمس آلاف سنة.  يعنى هذه أن الختان الفرعوني سبق كل الأديان السماوية بما فيها الاسلام.  اما ختان السنة كما يسمى في العرف السوداني الشعبي فهو أخف ضرراً ولكن لا خير في كلاهما. 

نذكر القارئ هنا أن لمحاولات إنهاء ختان الاناث في السودان تاريخ طويل قارب القرن من الزمان وقد فشلت جميعها نسبة لترسخ ظاهرة الختان في الثقافة السودانية وهذا هو لب هذا المقال.  يكمن نجاح القانون الجديد لمنع ختان الاناث في النقاش المستفيض على جميع المحافل الثقافية والصحية والعدلية وخلق حاضنة اجتماعية واسعة في مختلف انحاء البلاد. لكن موضوع الختان يلامس مسالة الجنس أو الجنسانية في أسلوب الكاتب الوليد مادبو مما يجعله من قبيل المحظورات والتي يفضل معظم قادتنا تفادي الحديث عنها. ففي عام ١٩٤٠، قرر دعاة منع ختان الاناث الاستعانة برجال الدين لإنجاح مشروعهم واستجدوا الامام عبد الرحمن للتبشير به.  تكرم الامام بمباركة المشروع وصرح: “لقد جاء وقت الفعل الآن.  لقد توفرت لدي معلومات مقنعة تحفزني للتحرك الى إزالة هذا العرف الشنيع وهو ختان الاناث في السودان”.  لم تصمد مباركة الامام للمشروع طويلاً امام مدافع والدته، السيدة الميرة مقبولة، والتي تعجبت ان ابنها لم يجد امراً يتحدث عنه غير “كِسَسة النسوان”.  ليس غريبا إن كان ذلك آخر حديث للإمام عن الختان، كيف لا وقد علق الشعب آماله عليه ليتصدر تحرير البلاد من الاستعمار.  وقد نجد العذر لوالدة الامام فربما لم تكن ملمة بأضرار الختان فهي قد أتت من دارفور ولم يكن التقليد منتشراً في كل الإقليم حينذاك.  اما إمام زمانه الآخر، أي السيد الميرغني، فقد انصبت مساهمته في ضرورة التخلص من الختان الفرعوني فقط دون الإشارة الى ما يسمى بختان السنة. 

تصدرت منظمة الصحة العالمية بمحاربة العادات الضارة وقد كان تحريم ومحو ختان الاناث من ضمن اجندتها.  في عام ١٩٩٠ قررت المنظمة إسقاط لفظ ختان الاناث وتسميته “تشويه الأعضاء التناسلية للإناث” وقد ساد هذا الاسم على العرف الى يومنا هذا.  أعتقد ان هذه التسمية قد جانبها التوفيق فهي مهينة للمرأة المختونة والتي لا تعتبر نفسها في عداد المشوهات وليس منا في السودان من يصف الأخت والام والزوجة بانها مشوهة.  نضيف هنا ان كل المجتمعات تضع بصماتها الثقافية على الجسم في صورة وشم وشلوخ وثقب في الاذن او الانف ولا أحد ذلك بالتشويه.  ولكن خطورة لفظ التشويه يقبع في تقويضه لأرضية الحوار بين الطرفين لأنه مهين للذين يمارسون الختان كعرف “نبيل” في مجتمعهم وسأوضح هذا في الفقرة التالية. 

يشير السودانيون الى الختان بلفظ الطهور ويطلقون هذا التعبير لختان الأبناء والبنات.  ينحدر لفظ الطهور من كلمة الطهارة وهي تتخطى النظافة المادية الى حيزها الروحي.  “الطاهر” هو أحد أسماء الرسول الكريم والاشارة هنا الي تمتعه بالكمال الروحي وليس المادي.  وكذلك يتطهر المسلم بالوضوء قبل الصلاة، ولمس القرآن الكريم، وبعد ممارسة الجنس وغيره من الشعائر التي تتطلب طقوس النظافة الروحية.  من هنا يتضح لنا معني طهور الطفل أو الطفلة.  أذكر القارئ أن الشباب في ارياف السودان لا يسمح لهم بذبح الدجاج والخراف وغيرها ان لم يكونوا مختونين.  إن ربط الختان بالطهارة، جسدياً كان أم روحياً يعكس لنا وضع النساء غير المختونات.  يتجلى ذلل في أن وصف المرأة بالغلفاء ذم لا يحتمل وأن لعنة لفظ “ابن وابنة الغلفاء” لا تقل سباً من “ابن الكلب أو ابن الحرام”.  من هنا نخلص ان الختان في العرف الشعبي هو معبر بين النجاسة والطهارة، النقصان والكمال وهو ايضاً جسر للانتماء الي مِلة الرسول الكريم.

ما زالت جدلية علاقة ختان الاناث قائمة بين الفقهاء وعلماء الدين.  لكن هذه الجدلية لا تحتل حيزاً يذكر عند القطاعات التي تمارس ختان الاناث في السودان.  ذكرت في عدد سابق من هذه المجلة، أي المدائن، ان الختان يعني “ادخال الأطفال في السنة” او “تعريبهم” وهذان التعبيران مطابقان عند عامة السودانيين وبالأخص في المناطق الريفية ذات التعليم المتدني. يعني هذا ان العقل الجمعي السودان يري ختان الاناث عرفاً اسلامياَ ومن ثم ينبع لفظ ختان السنة أو طهارة السنة في اللغة العامية.  والغريب ان قطاعا كبيراً في السودان يعتقد ان الله قد امرنا بختان الاناث في القرآن وهذا خطأ جسيم.  ويشير آخرون الى أحاديث نبوية اخري ليس فيها تنبيه واضح بمنع الختان وقد اجمع فقهاء كثر ان هذه الأحاديث غير موثوقة ومن الأفضل تجاهلها.  على أي، فسوف يبقى ختان الاناث ما بقي الاعتقاد انه عرف ديني إسلامي. 

لا شك ان هناك علاقة وطيدة بين ختان الاناث وعبادة العذرية في المجتمع السوداني.  الاعتقاد الشائع ان الختان يقلل من ممارسة الجنس قبل الزواج أذ انه يجعل التجربة الجنسية الأولى مؤلمة للمرأة وغير مرغوبة.  وتذهب عبادة العذرية في المجتمع السوداني أكثر من ذلك وتسعي الى تفحصه في طقوس الزواج.  بعد “ليلة الدخلة”، تتوقع أم العريس ما يسمي “بشارة شرف البنت” أي خبر ثبوت عذريتها عند مجامعة زوجها للمرة “الأولى” وتحتم طقوس الزواج اعلان الحدث للجميع وتستوجب ايضاً مكافأة ام العروس على حسن تربيتها لابنتها.  ويبلغ هذا العرف منتهي قباحته في تعميم عفة العروس بزغاريد النساء وأحياناً إطلاق النار فنحن نتحدث عن مجتمع يعبد العذرية ولا يتورع ان يضع شرفه وكرامته رهينة بكارة ابنتهم.

لابد ان اشير هنا ان ختان الاناث لا يضمن الحفاظ على العذرية الى حين الزواج إذ ان حمل الفتيات قبل الزواج منتشر في كل مجتمعات السودان كما الحال في كل بقاع الارض.  ليس هذا فحسب، بل ان الختان نفسه تطور لمجابهة فقدان العذرية قبل الزواج.  يظهر هذا في الختان الثاني أو الخياطة وهي عملية جراحية تحت يد القابلات قبل الزواج.  تهدف هذه العملية الى ترميم العضو الجنسي للمرأة حتى تظهر وكأنها عذراء حتى ليلة الدخلة.  هذا وقد تقدمت حنكة اخواتنا في السودان لأبعد من ذلك واستعانت بتقنيات حديثة آتية من خارج السودان ومستغلة في الدول الأخرى العابدة للعذرية.  سمعت اخيراً خدعة حديثة تتمثل في كرة صغيرة توضع في مهبل العروسة تنفجر عند الإيلاج الجنسي وتفرع سائلاً احمرا يشبه افرازات فض بكارة الفتاة.

ولختان الاناث جانب آخر يتحرج معظم الدارسين تفادي الحديث عنه.  ان الجنس في السودان فحولي بطبيعته يستأثر فيه الرجل على حساب المرأة.  بمعني آخر، فإن إمتاع الرجل في الجنس هو غزو أحادي يتجسد في أيلام المرأة وليس تبادل المتعة معها، فكلما صرخت المرأة أو “تجلّعَت” أكثر، كلما عظمت الغارة. لا أدري ان كان الختان نتاج فشل الرجل في ازدياد حجم عضوه التناسلي فلجأ الي اصغار مقابله في المرأة.  ما نعرفه الان ان الختان يؤدي الى تضييق مدخل المهبل ويقود هذا الى الحساس بجسامة الرجل عند الجماع.  نعم، ان ضيق مدخل المهبل محمدة عند رجال السودان وما هو غير ذلك فمفسدة.  يظهر هذا جليا في سب المرأة بانها “موسعة” ويجاري ذلك وصفها بالدعارة والشبق وانعدام العفة.  ومصيبة السودانية انها تتعرض للختان عدة مرات في حياتها فتتكر جراحة عضوها الجنسي عقب الانجاب لكي يستمتع الزوج بفض عذريتها الجديدة. 

ذكرت سابقاً ان كل المجتمعات تضع بصمتها الثقافية على الطبيعة مثل تهذيب المحيط الجغرافي في المنزل وكذلك جسم الانسان.  يأتي هذا من قبيل التجميل والنظافة حسب منظور المجتمع ويندرج ختان الاناث ايضاً في هذا الحيز. يوكد هذا أحد الأحاديث النبوية المتداولة في السودان وله تأثيره بغض النظر عن موقعه في التوثيق الفقهي.  يقول الحديث: “الإسلام دين نقاء ويكتمل النقاء بالختان، والاستحداد – أي حلق العانة – وقص الشارب ونتف الابط وتقليم الاظافر”.  وفي حديث آخر، ان الختان “مضيء لوجه المرأة وممتع للزوج”.  الجدير بالذكر ان هذا الحديث لا يوكد ضرورة ختان الاناث ولكن للإسلام الشعبي منهاجه والذي قد يحيد عن مفاهيم الإسلام الفقهي.  بيد ان الحديث يربط الختان بالنقاء والطهارة وتهذيب الجسد ان لم نقل تجميله.  قد يكون هذا هو منبع الاعتقاد الشائع ان الفتاة غير المختونة لا تحظى بالزواج لأنها نتنة أو “عفنة” في لغة أحد فقهاء السودان الاصوليين.  لقد اثبتت الدراسات القليلة في هذا المجال خطأ التخوف السائد لدى الآباء ان الفتاة غير المختونة لن تجد من يرغب الزواج منها.  بالرغم من هذا الاستنتاج، لابد من الاعتراف ان تأثير هذه المعتقدات لا تعتمد على صحتها او ما بني عليها. 

أظهرت أبحاث المتخصصين ان معظم مثقفي السودان والذين انفتحوا على المثل العالمية يعارضون ختان الاناث ويحلمون بإزالته. ورغم ذلك، فهم يرضخون للضغط الاجتماعي ويسمحون بختان بناتهم.  ادي هذا التناقض الى خلق طرق كثيرة للالتفاف حول معضلة التناسق بين الالتزام بالتقاليد السائدة والاعتقادات الشخصية.  تأتي هنا ممارسة الختان الكاذب والذي يتمثل في اتفاق خادع مع القابلة التي تجري العملية.  تأتي القابلة بجميع معداتها وتقوم بإجراء عملية وهمية وتعلن اكتمال الختان على الحضور.  وهنالك خدعة أخري لتفادي الختان عبر الاحتفال بالختان مرتين، أحدهما في المدينة وآخر في الموطن الريفي للأسرة. تعلن الاسرة في المدينة إجراء الختان في الريف في حين تدّعي لأهل الريف أن الختان سوف يتم في المدينة.   

لقد بني مشروع مناهضة ختان الاناث على منظور الطب الحديث.  يظهر هذا جلياً في المؤسسات المناهضة للختان بما فيها مفوضيات محاربة التقاليد الضارة وجمعية بابكر بدري العلمية لدراسات المرأة.  ركزت هذه الحملات على لفت نظر العامة لمساوي الختان والتي تتمثل في الاخلال بصحة المختونة، صعوبة الولادة، ازدياد وفيات الامومة والأطفال حديثي الولادة، تدني المتعة الجنسية، صعوبة الإيلاج في بداية الزواج، احتقان دم الحيض وغيرها.  معظم هذه السلبيات يصعب تفهمها عند العامة فبعضها تتطلب معرفة بالمجتمعات التي لا تمارس الختان حتى تستقيم المقارنة، مثل وفيات النساء والأطفال عند الولادة وصعوبة الولادة.  نضيف هنا ان الطب الحديث يشير الى مشاكل صحية ناتجة من الختان ولكنها تأتي بمفردات غربية ولاتينية الأصل يصعب ترجمتها الى اللغات المحلية وفهمها عند العامة.  دعني اكتفي هنا بمثال واحد يفضح غلو التركيز على النهج الطبي في محاربة الختان.  عندما تتقدم المرأة في الحمل، يدعوا لها الجميع “بالخلاص او الحلل” وكلاهما تعنيان النفاذ من الموت المحقق.  فحسب التعبير الشعبي، تظل مقبرة المرأة المقبلة على الانجاب مفتوحاً لمدة أربعين يوماً ولا يتم إغلاقها الا بعد انقضاء هذه الفترة.  تظل المرأة ومولودها الجديد تحت الحجر المنزلي طوال الأربعين يوماً خوفاً من مخاطر هذه الفترة العصيبة والتي تشمل التهابات المهبل والسحر الذي يستهدف الام وطفلها.  يعني هذا ان المخاطر الصحية التي تحف الانجاب تضمحل قياساً بمنافعه وهذا يؤكد ضعف الاعتماد على منطلق الطب الحديث في محاربة الختان.  لهذا فنحن نستجدي دعاة محاربة ختان الاناث لاتخاذ نهج يذهب ابعد من التحذير من اضراره العضوية او الصحية.   

دعوني اختم هذا المقال بالدعوة الى اتخاذ استراتيجية شاملة تركز على مجابهة العوامل الاجتماعية والثقافية التي تعزز بقاء ختان الاناث.  ولابد ان اشير هنا الى ضرورة اختراق الريف السوداني فهو معقل ختان الاناث.  يتطلب هذا عدم حصر النقاش على صفوة المناطق الحضرية بالإضافة الى إعادة ترتيب وسائل الاعلام المناسبة، فالتلفاز لا يغطي أكثر من ٢٠٪ من الاسر السودانية، أما الجرائد اليومية، فهي لا تصل معظم قري السودان.    

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق