ثقافة وفن

إدارة التلفزيون وجريرة الأسماء

وليد دبلوك

عندما خلق الله سيدنا ادم، تحدى به الملائكة ان يخبروه جل وعلا بأسماء، لم يستطيعوا معرفتها، وقالوا لا علم لنا إلا ما علمتنا. ثم طلب من ادم ان يخبرهم فأخبرهم بالأسماء.  ومن هذا المشهد السماوي نستبين ان اول ما تعلمه ادم كانت الاسماء.    والاسماء هي رمزيات ومفردات تشير في دلالاتها الى شيء او شخص او فعل ما.   وفي حياتنا تتنوع الاسماء وتتعدد، ولكن يظل (أسماء في حياتنا) من المعالم والمعاني والبرامج الراسخة الخالدة في الاذهان.  برنامج اسماء في حياتنا الذي ولد من بنات افكار معده ومقدمه الدكتور عمر الجزلي – رد الله غربته وانعم عليه بنعمة الشفاء بحوله وقدرته – من البرامج التي حظيت بأطول فترة بث امتدت لعقود من الزمان امتدت منذ بدايات العام 1970 وكان اول مستضاف هو الرسام والتشكيلي المعروف احمد سالم. ثم توقف البرنامج عن البث بسبب ابتعاث دكتور الجزلي الى القاهرة للعمل في إذاعة صوت العرب والتلفزيون العربي في ذات العام. وقد ابلى الجزلي في مهمته هناك بلاء حسنا.

ثم عاد بعدها ليواصل عمر الجزلي مسيرته الاعلامية في الاذاعة عبر برامج عدة منها برنامج مشاوير إذاعية ومن دار الإذاعة وسفراء الأدب ومع رؤساء التحرير وأجيال وأجيال وأوتار الليل وغيرها من البرامج التوثيقية العديدة بالإذاعة.  وفي التلفزيون قدم عدداً من البرامج ايضا منها برنامج ثنائيات وزمان يا فن والكاميرا تدور والبرنامج الاشهر على الاطلاق أسماء في حياتنا.  ذلكم البرنامج الذي وثق لما يربو على الالفين وثمانمائة شخصية سودانية وعربية واسلامية. فمثلاً على المستوى العربي كان الرئيس العراقي الراحل صدام حسين أحد ابرز الشخصيات التي استضافها البرنامج، كما وثق ايضا للرئيس اليمني الحمدي، ووثق ايضا للشاعر المصري الابنودي والمخرج حسن الامام وكمال الشناوي ومديحه يسري وفريد الاطرش.

ومن الشخصيات السودانية وثق برنامج اسماء في حياتنا للرئيس الراحل جعفر نميري وعوض احمد خليفة ومزمل غندور والزين حسن وجوزيف لاقو من العسكريين. ومن الصحفيين عبد الرحمن مختار وبشير محمد سعيد واسماعيل العتباني ومحجوب محمد صالح وشريف طمبل ومن الاعلاميين حلمي ابراهيم. ويس حسن معني ومحمد صالح فهمي وأبو عاقله يوسف وحمدي بولاد وحمدي بدرالدين. والعديد العديد من الشخصيات الفنية والرياضية الذين لا يتسع المجال لحصرهم وما اوردته من اسماء إنما هي قليل من كثير ممن حظي البرنامج بتوثيق سيرتهم.

استمر البرنامج منذ عودة الجزلي من الابتعاث عام 1975 عبر كل الحقب السياسية التي تعاقبت على حكم السودان ولم يتوقف إطلاقاً عن البث رغم تغير وتبدل الانظمة السياسية الى ان غادر دكتور الجزلي السودان متوجها الى الولايات المتحدة الأمريكية مستشفيا، وكان البرنامج تعاد حلقاته التأريخية السابقة من اجل تعريف الاجيال الجديدة بتأريخها السوداني في شتي المجالات.

  تكمن قيمة واهمية هذا البرنامج التوثيقي القيم والتي أشار اليها دكتور الجزلي في المقدمة التي حظيت هي ايضا بشهرة كبيرة، تلك المقدمة التي عبر فيها الجزلي بصوته القوي بانها على امتداد التاريخ الانساني مرت على امتنا شخصيات ورموز لها دور كبير وفاعل في شتى مجالات الحياة فنية او ادبية او فكرية او سياسية او رياضية.. قدمت للوطن الكثير وخلدت في ذاكرة الامة وصاروا اسماء في حياتنا بحق وحقيقة. وكما ذكرت اعلاه فإن القيمة الحقيقة لهذا البرنامج التوثيقي تكمن في التوثيق حقيقة لحقب متنوعة من تاريخ السودان عبر استضافته لشخصيات التي لعبت ادواراً مؤثرة في التاريخ السوداني في مجالات متنوعة.

وايضا للبرنامج قيمته المعرفية للأجيال اللاحقة التي تسمع عن اسماء وشخصيات لها دور بارز ولكن لم تحظ برؤية تلك الشخصيات فيتيح البرنامج إمكانية رؤية تلك الشخصيات والاستماع إليهم مما يعد درساً حقيقيا في التاريخ للمتلقي.

  انه إرث قيم بمعنى الكلمة وعمل عظيم يستحق اول ما يستحق تكريم معده ومقدمه الدكتور عمر الجزلي تكريما يستحقه استحقاقا حقيقيا لما قدمه من تاريخ موثق عبر مسيرة طويلة قضاها الجزلي في الهيئة متنقلا في استديوهاتها ومكاتبها كمذيع ومعد ومقدم ومدير برامج ورئيس ادارات لفترة من الزمن امتدت لنحو خمسين عاما سكب خلالها خبرته وجهده وعمره لخدمة الجهاز الذي احبه بصدق، ودرب وعلم العديد من المذيعين والمذيعات الذين برعوا واجادوا، وكم من قصص سمعتها على السنة اعلاميين تتلمذوا على يد دكتور الجزلي سردوا وعبروا فيها عن كيف كان يقاسمهم احلامهم المهنية وكان يعيش معهم حتى أدق مشاكلهم الخاصة ويسعى في حلها ويدربهم بقلب الاب وليس المدير، وغيرها من روايات تحكي روعة وجمال هذا الرجل، وحتى إدارات اليوم فيها من تتلمذ على يد دكتور الجزلي ولا احسبها بادلت العرفان والاحسان بمثله.

ثم ينبغي ان تتم مراجعة مكتبة التلفزيون والاذاعة لحصر التسجيلات النادرة والسعي لتغير وسائل تخزينها الى اساليب التخزين والتقنية الحديثة لتواكب التطور التقني الحالي، وذلك لحفظها من التلف والضياع، وقد ضاع الكثير من التسجيلات التي تعد اليوم من التسجيلات النادرة سواء كانت من تسجيلات برنامج اسماء في حياتنا القيم او غيره من التسجيلات الاخرى لبرامج غاية في الأهمية ولكن للأسف ضاعت وتلفت بفعل عوامل متعددة.

وما ساقني للحديث المطول عن هذا البرنامج هو دهشتي واستغرابي الكبير للقرار الذي اصدرته ادارة الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون بإيقاف بث حلقات اسماء في حياتنا! ماهي جريرة الاسماء ليكون الجزاء الإيقاف!

ذلك القرار الذي لم يراعي اولا القيمة الادبية والتاريخية لهذا البرنامج التوثيقي الهام فحرمت قطاعاً عريضاً من المشاهدين من الاستفادة من دروس مهمة وقيمة في التأريخ والادب والسياسة والعلوم المختلفة.

ولم يراعي القرار ثانيا القيمة الادبية لشخص دكتور الجزلي الذي هو في تقديري رمز من رموز الاعلام ومن اعلام الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون.

إن هذا القرار بمثابة إزالة دعامة من دعامات البرمجة التلفزيونية التي تعاني من فقر وعجز كبير في جذب المشاهدين الى شاشتها الهشة الضعيفة البرمجة والبرامج المفيدة معا، ولعمري انها في حوجة لبرنامج في حجم اسماء في حياتنا أكثر من حاجة البرنامج لها. فمنصات العرض اصبحت متاحة والطلب والعرض في عالم الاعلام أصبح متاحاً ومتوفرا وتسعي المحطات خلف البرامج الناجحة وليس ايقافها.

الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون تعاني من نقص في المعينات وادوات المواكبة الحديثة، ومثقلة بقضايا الاستحقاقات المالية لعناصر كثيرة عاملة بها وغيرها من المشاكل الداخلية وقد بدأ ذلك واضحا من خلال الوقفة الاحتجاجية لمنسوبي الهيئة قبل ايام قليلة خلت.

والمؤلم ان قرار إيقاف البرنامج صدر في اثناء إعادة بث حلقاته مع الدكتور الاديب الفنان عبد الكريم الكابلي الذي كان في زيارة للسودان بعد غربة طالت ولاتزال وسؤالنا المهم، أهكذا يقابل المبدعون في بلادي وهكذا يكرمون! وأي ذنب جناه اسماء في حياتنا ليكون الايقاف هو التكريم؟!

   لقد ورثت الادارة الجديدة جهاز ضعيف شكلا ومضمونا وكان حريا بها ان تحرص على الاستعانة ببث مواد قابعة في مكتبتها لسنوات، ولكم كنت اسعد بمشاهدة ومتابعة برنامج من الامس واسماء في حياتنا والصلات الطيبة وغيرها من برامج الماضي الجميلة التي حققت نسب مشاهدة عالية ولازالت خالدة في اذهان الكثيرين حتى اليوم، وإعادة مثل هذه البرامج الناجحة ستسهم في جذب العديد من المشاهدين مع السعي الى التطوير والتجديد لترتقي الهيئة الى مستوى عال من الاداء كما ونوعا وتقديرا.

يستحق الدكتور عمر الجزلي التكريم اليوم قبل الغد من قبل الدولة ومن قبلها من قبل تلامذته الذين تربوا على يديه وعلمهم وأحسن تعليمهم ورعاهم حتى كبروا وتقلدوا المناصب وتنكروا له من بعدها.

ان النجوم في السماء يأسرنا بريقها وهي بعيدة، وإن دنت وجدناها حجارة صلدةً لا شئ فيها وما كان بريقها إلا بفعل الشمس. وكفي بالدكتور الجزلي أنه شمس من شموس الإعلام وسيظل كذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق