آراء

كوكاسيات

"كورونا" يغتال الصحف الورقية ويبث الروح في "الهواتف البليدة"(4)

عبد العزيز كوكاس

يمر المغرب من تقاليد الشفوي إلى تقاليد التقني/ الإلكتروني، دون المرور بتقاليد المقروء. لقد كانت، في الحقيقة، مرحلة ضيقة تلك التي عرفت فيها الصحافة الورقية ازدهارا، لأن الصحافة المطبوعة كانت صحافة نخبة منذ بدايتها في المغرب، النخبة المتعلمة هي التي كانت تقرأ هذه الصحف؛ أما الباقي، وبسبب الأمية، فلم يكن يجد إلى المطبوع طريقا، ما يعني أن هناك ملايين المغاربة ظلوا محرومين من الصحافة الورقية ومن المطبوعات بشكل عام على خلاف الرقمي اليوم.. لم نرسخ بتاتا عادات القراءة والصحافة لم تصل بيوتنا حتى لدى النخب المتعلمة.. إن تقاليد قراءة المطبوعات ذاتها آخذة في التلاشي، وكل يوم نفقد فيه قارئا للصحافة المطبوعة لا نحلم بتعويضه، فجيل اليافعين القادمين لم يكتسبوا تقاليد القراءة الورقية وهم أميل إلى الأنستغرام والسناب شات. إن ميلاد الكائن الرقمي يحدث بيننا ونحن على عتبة توديع الإنسان الجوتنبرغي الذي خُلق مع المطبعة!.

أظهر تحليل “تحالف بيو للإعلام المدقق” Pew-Alliance for Audited Media (AAM)، وهو أشبه بمكتب للتحقق من توزيع الصحف أشبه بojd، أنه في عام 2016 انخفض توزيع المطبوعات بنسبة 10 في المائة – السنة الثامنة عشرة على التوالي من الانخفاض. في الوقت نفسه، نمت الاشتراكات الرقمية بشكل مثير للإعجاب لدى “نيويورك تايمز”. يوجد الآن أكثر من 2.5 مليون اشتراك رقمي بالجريدة.. وقد تنبأ ناشرون بارزون، بمن في ذلك آرثر سولزبيرجر، ابن مؤسس صحيفة “نيويورك تايمز”، أنهم يمكنهم رؤية يوم، ليس بعيدًا جدًا، عندما تختفي النسخة المطبوعة… “وعلينا التحول إلى الصحافة الرقمية كحل جوهري.. كل شيء عن مستقبل الصحف مشرق باستثناء مستقبل الإمساك بالجريدة في أيدينا”.

أي خطوة نقوم بها لدعم الصحف الورقية هي فقط تأجيل للموت الحتمي. يجب أن نلتفت إلى دعم حقيقي لمهنية الإعلام الرقمي، وأن نغير من مواد وديداكتيك وبرامج معاهد الصحافة لاستيعاب هذه التحولات. يجب أن نتساءل عن الدور الذي يجب أن تلعبه هذه الصحف التي نتعمد إطالة عمرها بالدعم العمومي، لتعوض تراجع المبيعات، وانكماش وتقلص سوق الإشهار الذي أصبح يتجه إلى الرقمي/ الديجيتال… يجب أن نفهم أن الصحافة الورقية انتهت.. يجب أن نجلس ونتدارس الأمر بموضوعية. هناك أزمة هيكلية وحقيقية.

على المعاهد التي تخرج الصحافيين أن تُبقي الصحافة الورقية كتراث نبيل وجميل للإنسانية، مثل ما فعلته مطبعة جوتنبرغ مع المخطوطات التي أصبحت نوعا من التحف النادرة، جزءا من التاريخ لن يعود إلى الحياة أبدا، وتنكب على تغيير المخارج التي يأتي منها الصحافيون المهنيون للعمل في الصحافة الرقمية.. لأن لدينا مشاكل حقيقية، مشاكل ذات طابع قانوني، مهني، مادي ومؤسساتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق