آراء

كوكاسيات

معشوقتنا الديمقراطية

عبد العزيز كوكاس

الديمقراطية لا جنسية لها كما الحضارة.. صحيح أن هناك خصوصيات ثقافية تشكل هويات شعوب غير متجانسة في تجاربها، تاريخها وتراثها العام، لكن، وبحكم التجربة، لا يمكن تعليق الديمقراطية على شماعة الخصوصية الثقافية والدينية والاجتماعية لأي شعب من الشعوب، لأن الديمقراطية في العالم اليوم ليست بصيغة المفرد، فنحن أمام ديمقراطيات بالجمع، ولكل الوجه الذي يريد، فالكونية اليوم هي جماع خصوصيات، وما يغرينا في الأندية الديمقراطية هو التعدد من الفكر المتوحش حتى تيارات الاختلاف.

فهل تظل الديمقراطية ممنوعة من الصرف عربيا؟

ثمة مفارقة صاخبة، فالكل يتحدث عن الديمقراطية بالمؤنث، هناك من يغازلها من الشرفات، وهناك من يحاول مشاكستها في الطريق، بالإضافة إلى من سعوا إلى خطب ودها بهذا الشكل أو ذاك، لكن لا أحد تجرأ على دخول مغامرة العشق مع هذه الفاتنة، التي بدت تتحول إلى مثال مجرد عن الواقع…

مرة وفي لقاء لي مع أحد رموز حزب كبير.. كانت المرحلة في بداية 1998، قبل تعيين اليوسفي وزيرا أول، كانت مرحلة بياض، وضعت أمام محاوري إشكالا ديمقراطيا يتمثل في الانتخابات غير النزيهة، فقال لي بالحرف: “قد تكون الديمقراطية مطية للجحيم، فلا يهم صناديق الاقتراع التي يمكن أن تأتي إلى السلطة بقوى معادية للديمقراطية، وفيما ستنفع الأرقام، المهم هو أن ننجز انتقالا توافقيا”.

كنت مشدوها إلى محاوري الذي ركب صهوة التناوب التوافقي غير الناتج عن صناديق الاقتراع، وأتصور كيف شاحت هذه الفاتنة بوجهها عنه بعد أن أغراها بالكثير من الأحلام الوردية، فأن يفوز مرشح بـ 51٪ ضد منافسه لا يعني شيئا لهذا “الديمقراطي”، وصناديق الزجاج المصانة في عِفَّتها وحرمتها لا تعني له شيئا، لأنها قد تأتي بخصوم الديمقراطية من الأصوليين أو أصحاب المخدرات وبما لا يخطر على البال…

لكن السؤال الذي ظل يحيرني وواجهت به محاوري هو: إذا خضنا انتخابات نزيهة وهو رهان ديمقراطي، وأحسستم بخطر زاحف يمكن أن يهزمكم بصناديق الاقتراع، هل ستتحالفون مع السلطة لتزوير الانتخابات خوفا من العدو غير الديمقراطي الذي استغل الديمقراطية؟

صمت محاوري، لكن الأحداث لم تصمت، إذ هناك من ينبري من ديمقراطيينا اليوم إلى ضرورة حماية المكتسبات، بل إن أحد المناضلين قال في لجنة تقريرية لحزبه :”أخشى أن تكون الانتخابات القادمة نزيهة؟!”، الأمر لا يتعلق بسلخ جلد أحزاب الحركة الوطنية وامتداداتها اليسارية، ولكن بمسارات نخب تحولت الواجهة الانتخابية بالنسبة لها إلى خاتمة النضال المؤسساتي، وكانت تبرر لمناضليها هذا القرار، بأن السلطة والقوى المناهضة للإصلاح لا تريدهم خوض الانتخابات، وعليهم أن يقلبوا إستراتيجيتها بالمشاركة، لا السير في طريق المقاطعة.. ونجحت السلطة حيث فشلوا، وعم الفساد والخراب مقاطع عريضة من نخبة شاخت قبل أن تخوض مغامرة عشق مع الديمقراطية، وعشنا ورأينا كيف أن الكثير من الليبراليين واليساريين أصبحوا يحتمون بالسلطة من التيارات الأصولية الصاعدة، بل كانوا في الكثير من الأحيان يختبئون وراءها بدل مواجهتها في الحقل الاجتماعي والسياسي بندية وبوسائل التدافع السلمي على أرض الواقع.

فهل نطمح أن يولد بين ظهرانينا جيل جديد يمارس السياسة بحب، ويواجه الواقع من موقع الإيجاب، لا يستكين لعناده ولا يحاول اقتلاعه من جذوره لتعويضه بمثال يظل عصيا عن التملك، أي أنه قادر على إنتاج معرفة بواقعه عن طريق عقلنته، جيل يؤمن بالاختلاف لا بالإجماع، بالتنوع ضمن الوحدة، لا بهيمنة الوحدة الميتافيزيقية، جيل يؤمن بأن الربح والخسارة في السياسة نسبيان، لأنهما منظمان في إطار الديمقراطية؟

بدون هذا الجيل ستبقى الديمقراطية في وطننا العربي مجرد أضغاث أحلام!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق