مجتمع

فيروس كورونا: الأمل في لقاح شامل

وصال بوشحيط

بعد جائحة كوفيد 19، تبقى أنواع فيروسيَّة تاجيَّة أخرى تحملها الحيوانات محطَّ الأنظار التي قد تهدد بشكلٍ كبيرٍ حياة الإنسان؛ للوقايةِ من ذلك انطلق علماءٌ أوروبيّون وأمريكيون في تطوير لقاحات قد تساهمُ في حمايةٍ مناعيةٍ أكبر.

كانت البشرية تنتظرُ في صيف 2020 بتأهبٍ كبير، إذا كان باستطاعة الباحثين تطوير لقاح ضد كوفيد 19.. وبعد ذلك بشهور من النشاطات البحثية الدؤوبة والتجارب السريرية -طبعًا استنادًا لبحوثٍ أساسية أُجريت قبل ذلك بسنوات- رخّصت الوكالة الأوروبية للدواء لما لا يقل عن 4 لقاحات، التي أثبتت نجاحاتها بنسبِ حمايةٍ كبيرة، وهو ما يُعدُّ رقمًا قياسيًّا. كان نجاحًا غيرَ مسبوق، وذلك ما منح الباحثين والمخابر آمالًا أكبر بالوصول إلى لقاحٍ شاملٍ قادرٍ على حماية الجسم من كلِّ عائلةِ كورونا حتى تلك الأنواع التي لم تنتقل إلى الإنسان بعد. لم يتعرف العلماءُ إلى الآن إلا على سبعِ أنواعٍ للفيروس التاجيّ عند الكائن البشريّ، ولكن في الحقيقة العائلةَ الفيروسيّة التي ينتميان إليها أكبر من ذلك، ومنتشرةٌ بكثرة عند الكثير من الحيوانات. لن يطول ذلك في البروز، حيث كتب علماءُ أحياء أمريكيون تقريرًا في مجلة كلينيكل إنفكشوس ديسيزس (clinical infections diseases) يوضحون فيها وجود أنواع جديدة من عائلة كورونا الفيروسية ثمرة دمج نوعين من الكورونا، الأولى تصيب بصفةٍ خاصة الكلاب، والثانية الخنازير، وقد تمكنت من إصابة 7 أطفال وشخصٍ بالغ في ماليزيا.

تلقيحٌ تجريبيّ ضد فيروسَيْ كورونا المرتبطين بمتلازمة السارس والمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة (SARs Cov 1-2).

تقول “أستريد فابري” مختصةٌ في الأمراض المعدية في المستشفى الجامعي كآن بشمال فرنسا: “يشكّل فيروس كورونا تهديد جسيم؛ لأنه لديه القدرةُ الكبيرةُ على التفشي، فلن نستطيع الفوزَ بالمعركة ضد الفيروسات التي قد تظهر في المستقبل من دون أدنى استعداد لها؛ لذلك وجب انتهازُ الفرصة لاستباق ما قد يحدث، وأظنُّ أن شيوع مبادراتٍ لصنعِ لقاحات ضدَّها لأمرٌ مثير للاهتمام، فذلك يدل على انتشارٍ لوعيٍ عام”.

نشر الفريقُ التابعُ للمختصِّ في علم المناعة “بارتون هاينس” من جامعة دوك بالتعاون مع المختصِّ في علم الفيروسات “رالف باريك” من جامعة كارولينا الشمالية في الولايات المتحدة الأمريكية تقريرًا في مجلة ناتشر(nature) يُظهر نتائجَ تجربةٍ أجريت على قِرَدةِ الماكاك، حيث طُعّموا بلقاحٍ تجريبيّ ضد فيروس كورونا المرتبط بالمتلازمة التنفسيَّة الحادة الشديدة (SARsCov2) والسلالات المتحوّرة منه، على غرار البريطانية والأفريقيّة الجنوبيّة، كما أنه يحمي من فيروس كورونا المرتبط بمتلازمة السارسSARs Cov1 -التي انتشرت سنة 2003-، وأيضًا الأنواع التي تعيلها الخفافيش.

تحتوي الأمصال المعمول بها حاليًا على جزء من البروتين الخارجي الحسكة (spike) أو (S) الخاص بكوفيد 19 وبالتحديد على ما يسمّى بنطاق ربط المستقبلات (RBD)، الذي يُسمح من خلاله التوغلُ إلى خلايا الإنسان عن طريق ارتباطهِ بالمستقبِل الخلوي أ سي إي 2 (ACE 2) لتتم الاستجابة المناعيَّة، غير أن الجديد في اللقاح الساري تطويره يكمن في تغليف الحسكة أو البروتين (S) الذي بفضله يتم تسريع الاستجابة المناعية، وقد لوحظ أن الحيوانات المحقونة قد حظيت بحماية مناعيَّة كبيرة؛ لذلك يفترض الباحثون القائمون على هذا العمل أن هذا اللقاح يمكنه الحماية من كل عائلة فيروس كورونا حتى أنهم أطلقوا عليه اسم pan-coronavirus كنايةً عن شمولية فعالية ونجاعة المصل.

تقول أستريد فاربي: “إذا كانت النتائج واعدة بالنسبة لهذا اللقاح، فالاسم المطلق عليها (المذكور أعلاه) يعدُّ أمرًا مبالغًا فيه، فهو لن يستطيع حماية الجسم من كل الفيروسات التابعة لعائلة فيروس كورونا، فمثلًا لن يكون فعّالًا ضد فيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS Cov) الذي خلّف إصابات كثيرة إثر انتشاره سنة 2012، لأنه لا يمتلك القدرة على الارتباط بخلايا الإنسان عن طريق ACE2 مثل كوفيد 19. كما لديه منطقة نطاق ربط المستقبلات مختلفة أيضًا، ونفس الأمر بالنسبة لفيروس كورونا البشري (HKU1) الذي يتميز بنزلات برد عند الأشخاص المصابين وذلك لأنه يؤثر على المسالك التنفسية العليا (من الأنف حتى البلعوم). فإنه لشيء مثاليّ إطلاق اسمٍ مماثل على هذا اللقاح الذي يُفترض أنه يقي صاحبَه ضد كل عائلة الفيروس التاجي”.

توجد أربعة أجناس رئيسية لفيروس كورونا:

آلفا، بيتا، غاما، دالتا، -ليست لهذه التسميات علاقة بالأسماء اليونانية المطلوقة على السلالات المتحورة من كوفيد19- تتواجد العائلتان غاما ودالتا خاصة عند الطيور والخنازير، لم يُعرف بعد إذا كان لديهما إمكانية الانتقال إلى الإنسان، فهما لم يظفرا بنفس الاهتمام الذي لاقته الأجناس الأخرى من قِبَل الباحثين مثل: الجنس آلفا، الذي يحوي نوعين، وهما: فيروس كورونا البشري 229 Hcov E، وفيروس كورونا البشري HCov NL63، المتتسببان في نزلات برد عند الإنسان. ويأتي بعدها الجنس بيتا الذي نال أكبر مجهود في دراسته، ويضمُّ نوعين من الفيروسات وهما: الفيروس المرتبط بمتلازمة السارس (SARS cov 1)، والثاني المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة والشديدة (SARs Cov 2) أو كوفيد 19 المنتشر حاليًا.

دمج العديد من أجزاء البروتين (S):

تساءل الباحثون عن كيفية إنتاج لقاحٍ قادرٍ على حماية الإنسان من معظم أجناس عائلة كورونا، فقرّروا أن يستلهموا من الأبحاث السابقة في ما يخصّ الأمصال المصنوعة ضد الفيروسات المسؤولة عن: مرض شلل الأطفال(poliovirus)، الورم الحليمي البشري(papillomavirus)، القائمة على توسيع درجةِ الحماية عن طريقِ دمجِ عدة عناصر من عدة أشكالٍ للفيروس، كما هو الحال بالنسبة للمصلِ الموجّه ضد مرض المكوّرات الرئوية، حيث يحتوي على ثلاثةٍ وعشرين شكلًا مختلفًا للجزيء البكتيريّ. فقد أقدمت “باميلا بجوركمان” من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا على اتّباع نفس النموذج في تقييم لقاحاتٍ جديدة في طور التجريب على مجموعةٍ من الفئران، وقام فريق الباحثة بدمجِ عدة أجزاء من البروتين السطحي (S)، خاصةً الجزء السفلي منه الموافق لنطاق ربط المستقبلات (RBD)؛ لأنه الأقلُّ عُرضةً للتحوّر بين سلالات الفيروس (للعديد من الأنواع الفيروسية: SRAs Cov1- SRAs cov2 نوعٌ تاجيّ تم عزله من حيوان البنغول، وخمس أنواع تم عزلها من الخفافيش، وقد تمّ حقن هذا المركب لفئران تجارب وكانت النتيجةُ حسب ما جاء في تقرير فريق الباحثة في مجلة ساينس (science) في شهر فبراير الماضي: أن الفئران المطعّمة قد كوّنت أجسامًا مضادّة تمكّنها من إبطال مفعول فئةٍ معتبرة من “الساربيكوفيروس” المتضمن للنوع المنتشر حاليًا، والنوع المسؤول عن متلازمة السارس، كما طوّرت هذه الحيوانات مناعةً ضد فيروسات لن تُستعمل حتى في إنتاج اللقاح.

قامت فرقُ بحثٍ أخرى باتباع استراتيجيّةٍ أخرى، وذلك باستخدام الجزء السفليِّ من بروتين السحكلة والمعروف باسم الساق بدلًا من الجزء العلوي. وقد اتبعت هذا النموذج فرقةُ عالمِ الأحياء “جيزون مكليلان” من جامعة تكساس الأمريكية بواسطة دمج جزء من ساق بروتين سبايك بالإضافة إلى بروتين (s2) من فيروس المتلازمة الحادة للشرق الأوسط، أثبتت تجارب هذا المصل ظهورَ أجسامٍ مضادة في دم فئران المخبر قادرة على الارتباط بفيروسَيْ SARs cov1 وSARs Cov2.

قام مخبر “أوزيفاكس” الفرنسي من مدينة “ليون” باستعمال عنصر مختلف تمامًا وهو قفيصة الحمض النووي أو بروتين (N) وأُثبت أنها لم تتغيّر باختلاف أجناس العائلة التاجية فيقول “ألكسندر لوفار” صاحب المخبر: “حُفظت القفيصة بنسبة 89% ما بين SARs cov 1 الذي انتشر سنة 2003 وSARs Cov 2 المنتشر حاليًا”. وتكمن المشكلة بالنسبة لهذا اللقاح في أن مولّد الضد موجود بداخل الفيروس، فهو بذلك من الصعب التعرف عليه عند الاستجابة الخلطية (عند الاستعداد لانتاج أجسام مضادة)، ويكمل الباحث في شرحهِ لهذه النقطة فيقول: “تكمن نجاعة لقاحِنا هذا باستثارة الاستجابة المناعية الخلوية، عن طريق الخلايا اللمفاوية (T). كما أن التجارب المطبقة على الفئران أفصحت عن نتائج لا بأس بها ونحن بصدد بدأ التجارب السريرية عند نهاية العام”.

تقول “ماري-بول كييني”، رئيسة لجنة لقاح كوفيد 19 بفرنسا: “إذا اختار البعض استعمال بروتينات سطحية وآخرون بروتينات داخلية للفيروس، فالأجدر أن تقوم المخابر بدمج الاثنين في لقاحاتها”.

قامت شركة “أوز إيمون تيرابوتيكس” الفرنسية بما ذكر سابقًا في المصل الذي طوّرته حيث استعملت 11 بروتين فيروسي من بينهم :بروتين (S) قفيصة الحمض النووي، وبروتينات أخرى غير متضمَّنة في الهيكل الفيروسي، أُطلق على هذا اللقاح اسم كوفبيت1 (Covepit1)؛ اُختيرت عناصر هذا اللقاح بعد دراسة حوالي 67000 حمض نووي لسلالات مختلفة لكوفيد 19 من جميع أنحاء العالم، وأحماضٍ نووية فيروسيّة أخرى تابعة للعائلة التاجية التي قد تصيب الإنسان، وبعد نجاح التجربة على الحيوانات؛ أعلنت الشركة على أول تجربة سريرية على الانسان في مايو الماضي.

فحص نجاعة فيروس لا وجود له:

يتساءل بعض الباحثين عن طريقة لإثبات أن اللقاحات القادمة قادرة على حماية الإنسان من افتراضية فيروس كوفيد جديد SARs cov 3. تجيب ماري كييني فتقول: “يجب أن يكون المخبر مجهّز من مجموعة كبيرة من الفيروسات الخاصة بالحيوانات لبداية فحص نجاعة هذه الأمصال، فقد نثبت بذلك أننا استطعنا التغلّب على هذه الفيروسات في المختبر بالتجريب على خلايا فيروسية مزروعة كما يمكننا أن نسرّع عملية تطور الفيروس أو صنع فيروسات متصورة ونزوّدها بوظائف جديدة ونقوم بفحص فعالية اللقاحات عليها ولكن هذا الأمر مسموح بشرط أن تتم بمخابر ذات مستوى 3 في الأمن البيولوجي”.

أحدثت هذه الأنواع من التجارب تضارب في الآراء عند الباحثين وكذا بين أطراف المجتمع، خاصةً بعد انتشار بحث صدر سنة 2012 حول تجارب على لقاحات الزكام لجعلها قادرة على الانتقال للإنسان، وخاصة أنه يرجح أن ذلك سبب ظهور كوفيد 19 في إحدى مخابر ووهان بالصين، وبصيغة أخرى فإن محاولة تفادي مخاطر المستقبل قد توقعنا فيها.

(ماتياس جارمان، مجلة “سيانس إي أفنير”

– نقلًا عن المحطة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق