آراء

كوكاسيات

لاعبو‮ ‬الكرة وزعماء‮ ‬السياسة

عبد العزيز كوكاس

كان ذهني دائما مشغولا بالموازنة بين كرة القدم والسياسة ..إذ أعتبر نفسي واحدا ممن ابتلوا بلعنة “الجَّلدة”، اللعبة الأكثر شعبية، وأؤثث دوما لفضاء سياسي تسوده نفس الروح الرياضية التي تميز كرة القدم وقانون لعبها: أجنحة الدفاع والهجوم، حارس المرمى، تلك القذفة المحكمة التي تسددها رجل أو رأس لاعب في رمشة عين، كيف تمنح فرحة عارمة لملايين الجماهير، بل إنها تحول أنين شعب جائع إلى فرح طفولياستراتيجيات اللعب، وجود حكام، ميدان التنافس وقواعد صارمة للعب خرقها يعرض اللاعب إلى العقاب وتدخل الحكم الذي ليس طرفا مواليا لأي الفريقين المتنافسين لكن يعتبر وجوده في المباراة أساسيا، وهناك جمهور مشجع مشارك في اللعبة من خلال حماسه وانضباطه حتى لقب باللاعب رقم 12 في كرة القدم، وحين تسعى جامعة كرة القدم لمعاقبة الجمهور أو الفريق الكروي تفرض إجراء مباراة بلا جمهور..

هكذا تدور “الجلدة” الساحرة على أرضية الملعب بين لاعبين يتدافعون على أرض الملعب كل واحد يسعى لتحقيق الفوز والانتصار بمهارة وفنية وحتى “الخشونات” يسمح بالذكي والمبهر وغير المؤدي منها، مثل ذلك الهدف التاريخي الذي سجله الراحل مارادونا بيده في شباك الفريق الخصم، وسماها “يد الله” التي سجلت الهدف في استعارة باذخة.. وهكذا حتى تنتهي المباراة بصفارة الحكم وتصافح اللاعبين المنهزمين والمنتصرين على السواء بروح رياضية عالية ويتبادلون القمصان بينهم بلا غيض أو حنق.

وما يذهب ذهني إليه أكثر هو تلك التصريحات التي يأخذها الصحفيون للاعبين والمدربين على السواء مباشرة بعد انتهاء أشواط المباراة، للتعليق على أجوائها، منتصرين وفائزين.. بعضهم يعترف بقوة الخصم والآخر يربط الهزيمة بطبيعة الجو وأحيانا بسوء تدبير الحكم للمباراة، وآخرون يقومون بنقد ذاتي لأدائهم أو لخطتهم، وحتى حين يتم خرق أحد قوانين اللعب يتم اللجوء إلى هيئات محايدة للطعن في سلامة نصر فريق بفوز غير مستحق أو وجود غش أو انحياز للحكم أو غيرها..

ما شجعني على هذه المقارنة تتبعي لأطوار -لاحظوا كيف تتسلل مفردات اللعبة المفضلة إلى الوصف- الانتخابات الأمريكية الأخيرة التي بدت لنا كأنها لا تختلف عما يحدث بيننا كدول للعالم الثالث على اختلاف ما بيننا من اتساع في مساحة الديمقراطية هناك وضيق وتخلف هنا، إذ كان الجو عادة يجري بين الفرقاء المتنافسين فيما يشبه اللعبة الرياضية بكل قواعدها وشروطها، والإعلام يقوم بدوره بمحاورة “المدربين” المتنافسين، واللاعبين ومعرفة انطباعات الجمهور أيضا، وبعدها تصريحات الفائزين والخاسرين على السواء.

فالخاسر كان يصرح دوما بأريحية: “لقد قال الشعب كلمته، ويجب أن نحترمها”، بل إن بعضهم يوجه انتقادا ذاتيا: “لقد اتبعنا إستراتيجية لم نُحسن الدفاع عنها لإقناع الشعب، وتمنى السعادة مع الحكومة أو الرئاسة الجديدة”.

الفائز من جهته، لا يقوم بأي نكاية بالخاسر ويلح على ضرورة تطبيق برنامجه الانتخابي. وأنه اليوم هو رئيس لكل الشعب وليس فقط للحزب الجمهوري أو الديمقراطي.. إلا أن حلمي بالموازنة لا يلبث أن يكون أشبه بسحابة صيف عابرة، وأتجاسر بالسؤال لماذا نحرم من قواعد التنافس الرياضي في مشهدنا السياسي؟ لماذا يطعن الرابح والخاسر في الانتخابات، الرابح يقول بأنه كان يمكنه الحصول على أكبر عدد من الأصوات أو المقاعد لو لم تكن هناك خشونة، والمنهزم حتى من صناديق اقتراع شفافة يطعن جملة وتفصيلا في نزاهتها؟ بل إن بعضهم يقود انقلابا على الديمقراطية فقط لأنه خسر معركة الانتخابات بشفافية، الديمقراطية هي لعبة في نهاية الأمر، لعبة جادة نقطة البدء فيها هي إتقان الأداء على ملعبها والتحلي بالأخلاق الرياضية والقبول بالنتائج، وأن اليوم لك وغدا عليك، وأن هناك جمهور هو الذي يسود ويعاقب هذا ويتوج ذاك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق