آراء

أجراس المدائن

رسائل واتس آب من وإلى حساب اموات

عاصم البلال الطيب

تواصل مع ميت

أحرص للإبقاء على ارقام هواتف الأصدقاء والمعارف حية بعد رحيلهم تذكاراً عزيزاً وللدعاء لهم كل ما مررت بها بحثاً عن أرقام تواصل مع الاحياء. لثلاث سنوات ظللت اتواصل مع ميت عبر رسائل الواتساب مع صديقي اللواء  شرطة محمد حسب الرسول تواصلاً ممتداً قبل وبعد إحالته للتقاعد، وأحياناً نتبادل الحوار انا حي ارزق وهو ميت يرحم، شق على ابنه من ورث هاتفه من بعده إبلاغي بنبأ رحيل والده خوفاً على مشاعري وقد تلمس من رسائلي حميمية علاقتي بوالده الشرطي والسياسي المثقف من رسم ذات يوم في حوار بيننا بينما كنت اقلله أو هو مقللني لوجهة مشتركة، عدم تلاقينا باستمرار اسبابه معلومة لكل سوداني خاصة في السنوات الاخيرة وبعد ان زادت كورونا طينتنا وقطيعة تواصلنا بلة، عز على نجل صديقي سعادة اللواء الفخيم امرى وقريبا رد على احد رسائلي يا استاذ أنا ابن اللواء الراحل محمد حسب الرسول، للموت كما تعلمون رهبة تتدفق معها من مواعين وخزائن الأحاسيس مشاعر تعتقد انها ماتت وكم وكيف لكل ميت إيلام، لكل رحيل عزيز إحساس يا سبحان الله مختلف، كم شق على نبأ رحيل عزيز تواصلي معه لم ينقطع وهو في عالمه الآخر بفضل بر ابنه وصدق من قال أن من خلف وشبع وربى وطبع لم يمت.

ابن امدرمان وصهر رفاعة

يا الله ورسالة عبر حساب واتساب صديقي المرتحل تواً بكورونا منير حسن ابن امدرمان وصهر رفاعة تصلني حتى احسست بانخلاع الروح عن الجسد، هل خطتها روح صديقي من برزخها تحية وسلاماً أم تأنيبا وتقريعاً ولوماً وقد مرض منير ولزم سرير بهذه العاصمة الحزينة مركز عزل الوحيد بين المشافي أسود اللون ومات ودفن وحيدا وبعيدا عن محبين فى زمن كورونا ولم أسمع وقد غلّقت علينا الأبواب وتناغينا وبدمامتها تلاغينا أن هيت لكم ونولى عنها الدبر فتقد أواعى اوكسجينا من عُقب. لكن منير العزيز الذى اعرف سمح المحيا طلقها وبسام وليس بينه واللوم والتأنيب عمار، الرسالة كانت من امرأته وخازنة أسراره التي تحتفظ بالهاتف ذكرى وسيلة للتواصل والتعافي والتأسي مع أعزاء وحبايب منير وهى تعلم مدى الحب بيننا عمراً من الزمان لم يتبدل ويتحول لأنه في الله ولله وقطعاَ سمعت عدداً بين المهاتفات بيننا تعلمها والوجه المنير يكسوه الفرح وتغمره الألفة الدافئة وتنبسط، كاتبنا المسروق غربةً بالكويت طويلة الأمد و المرتحل بغتةً و بينما لعربته سائقاً الفذ بابكر حسن مكى ملك كتابة العامود الصحفي الذى جهلا اتجرأ عليه، أوراق بابكر لا لأحد قبل بها، بعد رحيله تلقيت مهاتفة من ارملته من رحلت بعده بذات الكيفية  بينما كانت في استلقاءه دردشة مع ابنتها وماتت بدون مقدمات، أشجتني وفاء الأرملة بوفاء بابكر وهى تخبرني بانهم اعتادوا كأسرة لما يجدوا بابكر متكلماَ عبر الهاتف منبسطا ومقهقها وقد كان ساخراً وفكهاً فعلى الخط عاصم البلال، تذكرت وفاء وبابكر فى رحابهما العلية وارملة صديقي المرتحل بالكورونا أو اشتباها تواً منير حسن تكلمني بانهم يعلمون ما بيني والراحل من معزة من خلال المهاتفات المشتركة وبها يتهلل وجه منيرهم المحب المخلص لكل من يعرف ويصادق ،تدافعت وطافت الأحاسيس والمشاعر وفى خلجات النفس تداخلت حتي كانت ذروتها والأرملة المكلومة تقص ما يشجيني حتي يوم رحيلي من فيوض مصاعب لحظات منير حسن في الساعات الأخيرة من عمر مهما امتد قصير فى مركز عزل أدمى آدميته وأرملته من بعده حيرى بين أن تبكيه أم تبكي ما لقياه حتى استبدت بها جوطة المشاعر وهو يغمض عينيه بين خرجتها ودخلتها لدقائق لإحضار دواء لم تجد من يتبرع بإحضاره في عنبر عزل الموت وهو يحتضر.

نفس الشبه والطبع

ارملة منير مؤمنة بقضاء الله وقدره ولكنها موجعة بذكريات ساعات رحلة الموت من رفاعة لأمدرمان ،موت منير، تستجمع الأرملة كل قواها وتحتشم بالصبر لتحدثني عن ظلم حاق بمنير لاكلم به الدنيا لفائدة الآخرين ومنير المنير قد مات تاركاَ منية بنته في كنف أم رؤوف مكلوم، منية تقول لأمها المترملة كلمى عم عاصم بأن بيت منير مفتوح  من بعده، هي بنت منير فلا عجب هى نفس الشبه و الطبع، تستدعى الأرملة بحرقة وقائع الساعات الصعبة لمنير في حياتنا الدنيا منذ توجعه المفاجئ وتلقيه للعلاج بجرجرة وتلتلة بعد شبهة الإصابة بكورونا، خطفته سريعا برفقة شقيقها لهذه الخرطوم املا في رعاية أوسع، وهم في الطريق توقفوا بمشيفى صغير ليستنشقوه اوكسجيناا استنشاقا رفع النسبة ل ٩٢٪ فوق المعدل الطبيعي ففرحوا وواصلوا رحلتهم للأفضل! بعد هذه الوقفة الاستنشافية الموفقة شرب وأكل منير، وصلوا مداخل العاصمة فتخيروا اقرب مشيفي فدخلوه آمنين ونسبة اوكسحينه لا زالت فوق التسعين كفلت المرور والدخول، ومن بعد تداعت الأشياء وثبتت حتمية الدخول لأى من مراكز العزل، الأرملة الوفية لم تتخل عن إنسانيتها ومحبتها الزوجية لرجل يستحق فعاشت معه احلك اللحظات ومن عجب لم يفقد الوعى مطلقاً ليتمتع بهذا الوفاء والجسارة داخل مركز عزل يفتقد لمقومات التنويم للحالات المأزومة بالجائحة وتداعياتها، تبكي الأرملة وكل شيء داخل المركز يوحي بالموت، كادر يفقد الحماس والانفعال الثباتي للتعامل مع واقع درامي حزين، لا شيء داخل هذا المركز يسر من الحمام الذى يصعب الدخول إليه ومفتاحه سلكة لتعلم شفرة فكها يحدث ما يحدث ولا عزاء، أسرّة الحالات للتنويم غير مطابقة للمواصفات ولا مناسبة لمن بصعوبة وبدعم الأجهزة ينفسون دعك من تعديل وضعيتها لإراحة المريض  هذا غير ما شكته  الارملة  من معاملة قاسية والمريض والمرافق لا حول ولا قوة ولا طول، والدولة الرسمية إذ تتخلى عن تبنى علاج مصابي الجائحة وضحاياها، طبيعي ان يكون التعامل معها ومراكز عزلها جلها إن لم يكن كلها بائسة وكادرها غير متحمس لتلمسه عدم الاهتمام بجهوده ولا بالمراكز نفسها من قبل الدولة الرسمية وحكامها المطالبين بلحظة وعى يعلنون فيها تمام التكفل بكل مرضى الجائحة الجائعة بشهية مفتوحة وكل دروبها للإطاحة بالأنفاس اللاهثة ممهدة، كم كان يخفف على ارملة منير مظاهر اهتمام رسمي إنساني عالي التمثيل والمستوى بمنيرها وكل من هم رقود بالجائحة أو بالاشتباه، اهتمام بالهيئة العامة لكل المراكز احتراما للآدمية المخلوقة  وبالكادر البشرى ورفده بالمعينات المطلوبة وبرواتب ينبغي أن تكون الأعلى، فما شهدته أرملة منير رحمه الله فشل دولة وليس مريكز عزل، صعوبات التعامل مع الجائحة ليست سودانية السحنات والبلدات كلها تحت نيرها معاناة، مات منير كما ترى أرملته بالإهمال وبؤس الاجهزة المعينة وعدم توفر كادر بمواصفات هذا مع التسليم باليوم والقضاء والقدر، متى تصدر حضرة الدولة قرارها بتبني علاج حالات الجائحة علي حساب كل اوجه الحياة الأخرى المتعثرة وليس بفارق زيادة عثرتها مقابل اخذ إنساني رحيم بضحايا كورونا المصابين ولمن يلحقهم من المرافقين سلق سوط العذاب، فليكن الاهتمام بهذه الفجيعة مباشرة من البرهان وحمدوك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق