آراء

غوايات

غواية الكتب (1)

عماد البليك

منذ صغري وأنا أهيم بالكتب، تستهويني الأغلفة الملونة والصور التي تظهر عليها أو اللوحات، ومنذ سنين مبكرة تعلقت بالمجلات المصورة وقصص الأطفال، دون أن أدرك أن هذا العالم الطفولي سوف يُشكِّل مستقبلي، برغم أنني درست لاحقا هندسة العمارة، ربما بدوافع الجدل الأسري المعروف في السودان، أن تكون مهندسا أو طبيبا.

كانت أول مكتبة لي عبارة عن “فضية” كما نسميها نحن في السودان، أحضرها لي والدي – رحمه الله – من دكانه في السوق، بعد ان استغنى عنها، وأصبحت تحتوي في رفوفها الكتب بدلا عن قناني العطور، وقد عبأتها بكتب الشياطين الثلاثة عشر، والألغاز المصرية ومجلات ماجد التي تصدر من الإمارات وسمير وميكي المصريتين والصبيان ومريود السودانية، وكنت أصنع من هذه الإصدارات مجلدات أقوم بخياطتها بنفسي.

سوف تتغير طبيعة وموضوعات الكتب بالمكتبة الشخصية بناء على المراحل العمرية والاهتمامات، غير أن الغالب هو ذلك الاهتمام الأدبي والفلسفي والمعرفي عامة، ذلك الشغف المتعلق بالبحث عن كينونة الكائن ومعناه في هذا العالم، هذا السؤال الذي يحرك طبيعة الأدب وفكرة الكتابة لدى البشر، فنحن نقرأ ونكتب لنكتشف من نكون في هذا العالم؟ وماذا نريد أن نفعل في حياتنا؟

فيما بعد سوف أنشئ علاقة خاصة مع المكتبة العامة بمدينتي بربر، التي تجاور المدارس المتوسطة – آنذاك – والثانوية، وهي مكتبة بها كتب متنوعة بالعربية والإنجليزية، وفيها بدأت أدخل عالم الأدب بجدية مع روائيين عرب وأجانب، ولي أن أشير بأن الكتب الإنجليزية كان قد تبرع بها مدرس بريطاني أرسلها بعد أن غادر المدينة بفترة، بدافع المساهمة في التنوير العلمي والإدراك لدى الأجيال الجديدة في المنطقة. كان مشرف المكتبة رجلا متعاونا إلى أبعد الحدود، وقد منحني امتيازا بمنحي فرصة الاستعارة لأكثر من كتاب بخلاف القانون المتبع، كان ذلك استثناء نلته لاهتمامي وحرصي على القراءة وكان يدرك ذلك، ويتخير بدقة من يقدم له مثل هذه الفرصة ومن لا يستحقها، وسلفني حتى مجلدات الموسوعة البريطانية “بريتانيكا” التي تجد فيها كل شيء مما ترغب الاستفاضة أو المعرفة الملمة به، وتشبه لي اليوم عالم جوجل، مع سهولة العالم الأخير وسرعته.

مع مرور السنين فإن غواية الكتب والقراءة سوف تنتقل إلى الحواسيب وشاشات الأجهزة اللوحية الذكية، حيث سيكون سهلا في أي وقت تشاء أن تُحمّل الكتاب الذي ترغب فيه ليكون لك أن تطلع عليه سريعا لتقرر أن تقرأه أم لا، وقد تكتفي بلمحات منه، بالفعل أصبحنا اليوم أمام فيض من العالم المكتبي الرهيب، أصبحت المكتبة هي كل عالمنا وليس مجرد أرفف محصورة في فراغ مكاني نشد الرحال إليها.

خلال سنوات وجيزة تغير العالم الذي كنا نعرفه، أصبحت المعرفة متاحة للكل، ولم يعد الأمر معقدا، وهذا بقدر ما كان جميلا، إلا أنه بالنسبة لي شخصيا وضعني في حيرة الاختيار، ففي الماضي كان مقررا لي أن اقرأ الكتب الذي أجدها أمامي في المكتبة العامة أو اشتريها من مكتبة السوق في البلد، وهي في كل الأحوال ستظل خيارات محدودة، لكن اليوم فثمة ما لا حصر له من التنويعات التي تجعلك لا تعرف من أين تبدأ بالضبط وإلى أين تنتهي!

أخيرا..

إن للكتب القديمة عطر خاص، وروح، رائحة الحبر الذي يجعلك تشعر بإحساس غريب، ربما كان هنا الفارق بين ذلك العالم القديم وهذا العالم الجديد، ما بين الكتاب الورقي الذي يخرج للتو من المطابع إلى المكتبات وما بين الكتاب الإلكتروني الذي لا حياة له ولا مشاعر، رغم ذلك سيكون على الحياة أن تسلك دروب الجديد، فهذه هي طبيعة الإنسان وعالمه المتغير سراعا.

إلى لقاء في الأسبوع المقبل..

مع غواية جديدة..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق